كتاب ( زوال إسرائيل حتمية قرآنية )

نبذة عن تاريخ حياة المؤلف

ولد في فلسطين المحتلة في مدينة الخليل عام 1925م حيث نشأ وترعرع من أب لم يمنعه عمله في التجارة من ممارسة النضال السياسي والجهاد الوطني ، مما جعله أن يكون في عداد المقربين من الحاج أمين الحسيني زعيم فلسطين أنذاك ، وهكذا نشأ الشيخ المؤلف في بيت تربطه بالسياسة روابط جهاد تاريخي عريق .

وصل إلى مصر ودرس في جامع الأزهر لمدة إثني عشر عاما ، نال خلالها الشهادة العالية من كلية الشريعة في الأزهر ، وتخصص بعدها خلال عامين حصل فيهما على شهادة العالمية مع الإجازة في القضاء الشرعي .

وفي عام 1950م عاد إلى موطنه حيث كانت النكبة الأولى قد حلت ونتج عنها تشرد أهل فلسطين ، وهناك عين مدرسا في وزارة التربية والتعليم .

عام 1952م بدأ تأسيس حزب التحـرير ، فكان المؤلـف من المؤسسين الأوائل ، وفي نهاية سنة 1954م قدم إستقالته من وزارة التربية والتعليم وتفرغ للعمل السياسي والحزبي ، وترشح لعضوية مجلس النواب عن حزب التحرير ثلاث مرات ، وأعتقل في سجن الجفر سنة 1955م لمدة تسعة أشهر .

وفي سنة 1958م إنفصل عن حزب التحرير وعاد إلى سلك الوظيفة فعين مديرا لأوقاف القدس ثم نقل مديرا لدار الأيتام الإسلامية الصناعية وأستمر في هذه الوظيفة حتى تسليم القدس ، وقد كان في الوقت نفسه مدرسا في المسجد الأقصى ، وله درس مشهور بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع حيث كان يحذر فيه من تسليم بقية فلسطين والقدس ، ثم ما لبثت أن وقعت الخيانة حيث أنه كان قد غادر قبل الخيانة بيوم في الرابع من حزيران 1967م إلى بيروت لشراء كمية من الورق لمطبعة دار الأيتام . وبدأت مؤامرة التسليم يوم الخامس من حزيران فتوجه إلى عمان في السادس من نفس الشهر مساء ، فإذ كل شيء قد انتهى ، فقد سلمت القدس وبقية فلسطين . فأقام في حينها في عمان حيث عمل موظفا في وزارة الأوقاف حيث كان يخطب الجمعة في المساجد ويشرح ويبين كيف تمت الخيـانة والتآمر مهاجما الأوضاع السياسية في المنطقة ، وقد كلفه هذا الأمر أن منع من الخطابة عدة مرات ، وبقي موظفا في وزارة الأوقاف حتى سنة 1980م حيث أحيل على التقاعد بعد خطبة عنيفة له كانت بحضور بعض الوزراء والمسؤولين .

تفرغ بعدها للعمل الفكري والسياسي ، فأسس حركة الجهاد الإسلامي ، ولما بدأ الاجتيـاح اليهودي للبنان ، ألقى الكثير من الخطب التي يحث فيها على التطـوع والجهاد ، فكانت النتيجة أن أودع السجن حيث تعرض للضرب ، ثم قدم للمحكمة التي أمرت بالإفراج عنه .

وبعد مجزرتيّ صبرا وشاتيلا التي قامت بها القوات اللبنانية بالتعاون مع جيش العدو الإسرائيلي والتي ذهب ضحيتها المئات من النساء والأطفال والرجال ، ألقى خطبة مشهورة لا تزال تسجل وتوزع حتى الآن هاجم فيها الحكام بأسمائهم في يوم عيد الأضحى المبارك في جمع قدر بخمسين ألفا ، وقدم على إثرها للمحكمة العسكرية مع إبنه الدكتور نادر بتهمة إلقائه خطبا عنيفة ، وقد حكم على الأب بالسجن لمدة ستة أشهر وعلى الإبن لمدة سنة .
 

حيث فرضت عليه الاقامة الجبرية في عمان مكان سكنه  ومنع من  الخروج منها إلا بإذن السلطات المختصة .

قام بتأليف كتاب قبل عام 1967م عنوانه ( أضواء كاشفة ) تنبأ فيه بنكبة عام 1967م بعد أن تعرض بالنقد للأفكار العلمانية السائدة في المنطقة على إخلاف مذاهبها وتياراتها ، وقد ختم هذا الكتاب بنداء للأمة يحذرها من الذي وقع ، وقد أتاح له الله سبحانه وتعـالى الفرصـة أن يلقي هذا النـداء من الإذاعة في المسجد الأقصى يوم الجمعة ، وله كتاب تحت الطبع بعنوان ( الغيب في المعركة والتغيير الكوني ) ، وله كتاب أيضا لم ينشر بعد بعنوان ( الحقيقة كما عشتها ) . وللمؤلف الكثير من الخطب والأحاديث المسجلة ، والتي تداول في كثير من المناطق .


بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

منذ أن أرسل الله تعـالى ، محمدا صلى الله عليه وسلم ، بالهـدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ، بدأت عداوة يهود للنبي وللمسلمين . وكان يهود في المدينة يعرفون أن آخر الأنبياء قد أطل زمانه ، وكانوا يتمنون أن يكون هذا النبي منهم ، فلما جاء من غيرهم (الله أعلم حيث يجعل رسالته) [الأنعام :124]: تنكروا له وتآمروا عليه ، وحرضوا المشركين على قتاله ، وحاولوا إغتياله مع أنهم يعرفونه (كما يعرفون أبناءهم) . وهكذا عادى يهود المسلمين وتآمروا على الإسلام واستمر عداؤهم عبر التاريخ لم ينقطع ولم يتوقف . وتحالفوا في هذا القرن مع القوى المعادية للإسلام كافة ، فكون الجميع جبهة واحدة لتمزيق بلاد المسلمين وهدم كيانهم ، وإبعاد الإسلام عن التأثير في الحياة ، وتوجيه المسلمين توجيها خاطئـا . فنجحـوا في ذلك وبلغـوا الـذروة في نجاحهم يوم هدمـوا الدولة الإسلاميـة (العثمانية) فتسللوا إلى الأرض المباركة (الجزء الجنوبي الغربي من ديار الشام) فلسطين ، وأقاموا دولة ليهود ، وقد تم أخذ كل فلسطين وسيناء والجولان .

وهذه الدولة مصيرها إلى الزوال كما سأبينه في هذا الكتاب مستندا إلى القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة في قتال يهود رغم ما جرى ويجري الآن من محاولات لتثبيت إسرائيل دولة والذي تولى كبره الرئيس (المؤمن) بدولة يهود (السادات) الذي دخل التاريخ كأخزى حاكم يمارس الخيانة بلا خجل ولا حياء ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله :" الحياء من الإيمان " . وهو في محاولته لتثبيت إسرائيل دولة أعلن أنه (ممنوع تسييس الإسلام) . فهو يريد أن يفرغ الإسلام من مضمونه ، ويلغي تسعة أعشاره ليبقى الإسلام دين المتبطلين وأصحاب البطنة من علماء السوء والذين يباركون كل حاكم فيما يعمل ، فإن كان الحاكم إشتراكيا فالإسلام إشتراكي ، وإن كان رأسماليا ربوبيا فالإسلام رأسمالي لا يحرم الربا . وإن كان محاربا فالإسلام أمر بالجهاد ، وإن كان خائنا مستسلما فسرعان ما يحرفون الكلم عن مواضعه ليبرروا خيانته (إسلاميا) قائلين (وإن جنحوا للسلم فأجنح لها) [الأنفال : 61] ، مع أن هذه الآية لا تكون إلا في حالة الجهاد حينما يطلب الكفار أن يسلموا للمسلمين . أما في حالة الخيـانة التي قام بها السادات وأمثــاله فإن الله يقول للمؤمنين ، وليس للسادات (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم) [محمد : 35] . فهم مع الحاكم وليسوا مع الإسلام . إنهم يبحثون عن المناصب والدرجات الدنيا والمتع الرخيصة يلعقونها .

وقضية الدين والسياسة وتسييس الدين قضية لم يعرفها المسلمون إلا في العهد الذي غزاهم فيه الكفر فأحتل بلادهم ، إذ أن معنى السياسة (من ساس الخيل ، أي رعى شؤونها) أنها رعاية شؤون الناس أفـرادا وجمـاعات ودولة فهو يبين أحكام الطهـارة وأحكام الجهاد ، وأحكام الإنتصار ، وأحكام المعاهدات الدولية ، وأحكام القانون الدولي (المعاهد ، الحربي ، المستأمن) وكل ما يحتاجه الفرد والجماعة والدولة من أحكام . فإذا أراد بعض الحكام أن تبقى السياسة لهم ولأعوانهم ممن فقدوا الطهر وتسلقوا المناصب بالكذب والنفاق والخداع وبتوصية من السفارات وأعلنوا إستعدادهم لكل عمل يكلفون به ، ولو كلفهم دينهم ومروءتهم ورجولتهم ، فهم ليسوا من الإسلام في شيء وسياسة الإسلام ليست هذه . وحينما كان الإسلام هو الذي يسوس صعدت أمتنا على قمة الدنيا وقادت الإنسانية . وحينما ساس الأمة دساتير الكفر والإلحاد ، كان السياسيون من نوع الدساتير الكافرة ، فهم يمتازون بالإعراض عن الله والتحلل من كل فضيلة والإستهزاء بالإسلام وأهله ، ولا يرى أحدهم إلا حياته يحياها ، أما الآخرة فلا شأن له بها (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) [الجاثية : 24] .

وظن الغرب ويهود وأعوانهم أن الأمر سيستمر لهم ، ولكن أبشرهم بأنهم يخطئون ، وأن نصر الله للمسلمين آت وأن حزب الله سيغلب ، وأننا على أبواب نصر حتمي سيبدأ حينما تزول دولة يهود وأنظمة التجزئة إلى مزابل التاريخ .

ومنذ سنوات وأنا أبشر الناس بالنصر المرتقــب الذي بشرت به الآيات والأحاديث ، وكانت العلامة عندي هي تحـول الشباب في بلاد المسلمين إلى الإسـلام فجـأة . وكان كثير من الناس يستغرب من تفـاؤلي (المسرف) ولكني كنت ولا أزال واثقا من نصر الله (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) [الروم :60] .


الشيخ أسعد بيوض التميمي


تمهيد ..

بحلول عام 1948م سلمت فلسطين بدون قتال بعد دخول الجيوش العربية إليها والتي زعمت أنها داخلة لتحريرها ، وحيث كان الفلسطينيون أهل البلاد منتصرين على اليهود في كل أنحاء فلسطين .

وقد أوقعت قوات الجهاد المقدس بقيادة المرحوم الشهيد عبد القادر الحسيني وإشراف سماحة الحاج أمين الحسيني ضربات موجعة في الكيان اليهودي ، مما جعل مظاهرات تقوم في مدينة القدس تطالب بالتسليم ، لأن المجاهدين استطاعوا أن يقطعوا امدادات المياه عن القدس ، مما جعل أمريكا وبريطانيا تضطران لطلب إلغاء قرار التقسيم الذي كاد أن يلغى لولا أن أخذ حكـام العرب على عاتقهم في ذلك الحين تنفيذه ، وأدخلوا جيوشهم لتنفيذ هذا الأمر بعد أن منعت اللجنة العربية العسكرية التي ألفتها الجامعة العربية السلاح عن قوات الجهاد المقدس في تفاصيل مخزية مزرية .

وكان المرحوم الشهيد عبد القادر الحسيني قد ذهب إلى دمشق ليحضر تلك الأسلحة فأخذوا يماطلونه ويراوغونه ، فرجع ولم يعطوه إلا نزرا يسيرا من سلاح لا يغني في المعركة ، مما جعله يدخل معركة القسطل يائسا أو شبه يائس ويسقط شهيدا لتقوم بعد استشهاده دولة يهود .

وفي الفترة الواقعة بين 1948 - 1967م حدثت عدة إنقلابات في العالم العربي تمت خلالها حلقة تطويق الفكر الإسلامي وإحلال الفكر القومي والعلماني والاشتراكي مكانه ، فصارت الأمة تلهث وراء الزعيم والقائد ظانة أنه المنقذ المنتظر وصلاح الدين الجديد ، وبعد عدة حوادث تاريخية مهمة مرت على الأمة انكشف خلالها النفاق والكذب وذهب كالسراب ( والذين كفــروا أعمــالهم كسراب بقيعـة يحسبه الظمــآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئـا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ) [ النور : 39 ] . وقد وضعت الأمة في ظلمات كثيفة ، ظلمات شارك فيها كل الذين عملوا على تغيير هويتها ، وكانت كما قال الله ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فـوق بعض إذا أخـرج يده لم يكد يراهـا ومن لم يجعـل الله لو نـورا فما له من نـور ) [ النور : 40 ] .

وكان لا بد للظلام أن ينقشع ، ولا بد للحقيقة أن تظهر ، ولا بد للزيف أن يبين ، ولا بد للفكر المزيف اللقيط أن يسقط ، فكانت نكبة 1967م .

وكان رد الفعـل مساويا للفعـل ، فتعرت الأنظمـة والمبـادىء والأفكـار الفاشلة في ساعة أو بعض ساعة لم تصمد في معركة ، ولم تقاتل عدوا ، فكانت نكبـة (5/ حزيران / 1967م) التي لم تعرف الدنيا لها مثيلا في سرعة الهزيمة وإنكشاف أنظمة السخيمة وهروب الجيوش ، وانقشع الظلام وذهب السراب ، فإذا الزعامات عارية ، وإذا الفكر عفن ، فكر الإباحية واستباحة الأعراض والأموال ، فكر فصل الدين عن الحياة . وإذا يهود في كل فلسطين من البحر إلى النهر ، وفي غير فلسطين من سيناء والجولان . وبدأت مرحلة جديدة حيث كانت نكبة 1967م بدايتها ، فالأرض المباركة لها رسالة كما يبدو من إستقراء التاريخ ، فيصل المسلمـون إلى الحضيض يوم سـقوط الأقصى وبقية الأرض المباركة في أيدي الكفـار ، ويكون هذا السقوط هو الآذان الذي يقرع الأسماع ويوقظ الغافلين ويهدي المتشككين ، هكذا كان في الحروب الصليبية ، فلم يتحرك المسلمون حركة صعود إلا بعد سقوط الأقصى والقدس في أيدي الكفار ، وهكذا في حروب التتار هب المسلمون ليصدوا الخطر عن فلسطين والقدس . وهم اليوم كذلك حيث فقدت زعامـات 67 وأفكـارها وساستهـا وهجها وبريقها ، وسقطت نظريات الكفر والإلحـاد ، وسقط مشروع فصل الأمة عن دينهــا الذي إنخـدعت طويـلا يخـرج من الظلمــات إلى النـور والحقيقـة ، وبـدأت الصحـوة الإسلاميـة تتفاعـل ببطء لا يراهـا إلا من عاشها من أولها . ثم وقعت حرب ( رمضان / 1973م ) حيث قاتل حيش مصر المسلم بعقيدته لأول مرة في العصر الحديث ، وكبر وهو يجتاز القناة ( الله أكبر .. الله أكبر ) ، واستغاث بالله العظـيم ، ومن يستغيث بالله يغثه ، ومن يستنجد بالله ينجده . فاجتــاز القنــاة بيسر عجيب ودخل سيناء وكاد أن يقضي على دولة يهـود .. لولا أن السادات كان متآمرا . فأوقف الزحف وبدأت الخيانة حتى وصـلت إلى ذروتهـا بإتفاق (كامب ديفيد) وبعدها ظن السادات واهما أنه سيكسر الحاجز النفسي بين المسلمين واليهود ، وما علم أن هذا الحاجز أقامه الله في قرآنه ، وثبت قواعـده لؤم يهود وحقدهم . وتحطم الســادات ولم يتحطم الحاجز النفسي بين المسلمين عامــة (والمصرين خاصـة) وبين يهـود ، لأنه حاجـز أقامـه الله وما كان من إقامة الله لا يهدمــه بشـر .

وتفجرت الصحوة الإسلامية ثورة ثقافية في العالم الإسلامي ، وكان قمة تلك الصحوة تحول الشعب الجزائري إلى الإسلام بعد أن حاولت فرنسا تغريبه خلال مائة وخمسين سنة ، وإبعاده عن الإسلام ، والآن فإن الجزائر مهيأة لأن تقوم بها أول خلافة إسلامية بعد أن أزيلت وأبعدت الخلافة عن الحكم بعد عزل السلطان عبد الحميد ، وإن بشرى قيامها قد بدأت بإذن الله ، وكذلك بلغت ذروتها في إيران . فسقط الشاه وحكم علماء إيران ( الشيعة ) البلاد ، فأضطرب العالم كله .. هل عاد الإسلام إلى الحياة من جديد مؤثرا في الأحداث السياسية الدولية ؟‍!

وانشغلت جامعات العالم وصحافته وإذاعاته وتلفزته بالإسلام من جديد بين مهاجم ومحلل ونابش للتاريخ . وأراد يهود بأن يستعجلوا القضاء على الثورة الفلسطينية قبل أن يدخلها الإسلام فتعاونوا بذلك مع حكام العرب ، ولكن الثورة لم تنته ووقع المحظور ، ودخل الإسلام الثورة ، وبدأت بوادر ذهاب دولة يهود لتصدق الآيات والأحاديث التي نحن بصدد تفسيرها وتأويلها .

ونام أهل فلسطين ذات ليلة - كل فلسطين حوالي ثلاثة ملايين - كما ينام باقي البشر على تباغض وتحاسد واختلاف ، ويصبح الصبــاح فإذا هم على قلب رجل واحد " كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " ، ويزهدون بالحيـاة ، ويزهدون بالمـال ، ويزهدون بالولـد ، وينزع الله مهـابة عدوهـم من قلوبهـم ، وذهبت الفـترة المـريرة التي قـال عنها رسـول الله صلى الله عليـه وسلم :" توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتهـا ، قالوا : أومن قلة نحن يومئـذ يا رسول الله ؟ ، قال صلى عليـه وسلم : بل إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله مهابتكم من قلوب عدوكـم ، وليقذفـن في قلوبكم الوهن ، قالوا : ما الوهن يا رسول الله ؟ ، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : حب الدنيا وكراهية الموت " .

ونزع الله حب الدنيا من قلوب أهل الأرض المباركة فعادوا في فلسطين ولبنان أسود تزمجر وجنود تقتحم ، مكبرين ومهللين ، فإذا فلسطين كل فلسطين تموج بالتكبير موجا وتطارد حجارتها الغزاة المغتصبين .

وإذا معجزة في الأرض تحدث ، لا يمكن أن تخضع لتحليل عقلي ولا لتفسير مادي ، وليس لها جواب إلا آية من كتاب الله ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) [ الأنفال : 63] . وبدأت تتبخر أحلام دولة يهود بدولتهم الكبرى من النيل إلى الفرات ، وانكشف حقيقة يهود للعالم ، وأنكشف حقدهم على الله وعلى الناس ، وكما هو الحجر من جنود الله في المعركة ، كان التلفاز من جنود الله في المعركة حيث كشف للعالم كله حقد ووحشية يهود .

وبدأ الرأي العالم العالمي يتململ من ظلم يهود ، وكل هذا تمهيدا لأن تزول هذه الدويلة من الوجود . ودخل الإسلام المعركة في فلسطين ، وأصبح المسجد دار القيادة ، والمأذنة تنادي ، والشعار ( الله أكبر ) ، والفرار دأب يهود اليومي ينزعجون من النداء حيث يحطم أعصابهم ويدخل الرعب في قلوبهم خصوصا إذا كان نداء جماعيا تقوم به المدينة أو القرية أو المخيم ، فتختلط تكبيرات المؤمن بتراتيل الملائكة الوافدين بإذن الله لنجدتهم ( إذ تستغيثون ربكم فأستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) [ الأنفال : 9 ] . فإذا الذي يحملون بالحلول السلمية تتبخر أحلامهم مع الإنتفاضة ، وتسقط عقلانيتهم ودعوتهم للإعتدال والواقعية كما يدعون ، وهم من الذين لا يؤمنون بالغيب وبإرادة الأمة على تحقيق عزها بالنصر المبين . لا تحلموا ، فزوال دولة إسرائيل قدر مقدر ، وقضـاء مـبرم ، كما بينته الآيات في سور الإسراء والمائدة ، وفي غيرها من الآيات ، وما كان من القدر لا يبطله بشر .

إننا نعيش أيام التغيير في الأرض وعـودة الإسلام إلى الحياة لتعود لنـا الحياة ، ويعود لنا النصر ، ونحن والله على أبـواب الخلافــة الراشدة من جـديد حيث يصف الرسول صلى الله عليه وسلم مسيرة الحكم في المسلمين إلى يوم القيــامة فيقول :" تكون فيكم نبوة ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة راشدة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم يكون فيكم ملكا عاضا - ولاية العهد في العصر الأموي والعباسي والمملوكي والعثماني - ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم يكون فيكم ملكا جبريا - أي الإنقلابات التي بدأت بالإنقلاب العثماني على السلطان عبد الحميد ، وأتمه أتاتورك ( لعنه الله ) ولم تتوقف الإنقلابات في بلاد المسلمين والعرب منذ ذلك الحين إلى هذا اليوم - ما شاء الله أن يكــون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تعود خلافة على منهاج النبـوة .. ثم سكت " .

يا أهل فلسطين في مخيماتكم ، في الظلم الذي تعيشون ، ظلم ذوي القرابة بالإضافة إلى ظلم يهود ، وظلم أمريكا وأعوانها وعملائها ، يا أهل الجليل في المهجر وفي الجليل ، يا أهل حيفا في المهجر وحيفا ، يا أهل عكا في المهجر وعكا ، يا أهل المثلث في المهجر والمثلث ، يا أهل يافا واللد والرملة في المهجر ويافا واللد والرملة ، يا أهل نابلس في المهجر ونابلس وفي كل قرية فيها ، يا أهل بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور في الداخل وفي المهجر ، يا أهل القدس وما أدراك ما القدس في المدينة وحولها ومن حولها ، يا أهل الخليل في المهجر والداخـل في كل قرية من قـراها ومخيم من مخيمـاتهـا ، يا أهل الناصرة وقراها في المهجر ، يا أهل غزة وما أدراك ما غزة في العرين وفي المهجر ،أبشروا بنصر الله قرب الفـرج وزوال دولـة يهـود . ألم تروا ما فعـلت حجــارتكم وما فعلتـه سواعدكم .. أبشروا بنصر الله (ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا) [الإسراء :51] (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) [البقرة : 214] .

مزيدا من التلاحم في الداخل والخارج ، مزيدا من القرب من الله ، مزيدا من تلاوة القرآن ، مزيدا من الدعاء والتضرع والبكاء إلى الله رب العالمين ، مزيدا من السجود في جوف الليل ، مزيدا من إحتقار الدنيا ، وطرق باب الجنة برؤوس يهود وأعوانهم .

يا أهل المخيمات في لبنان ، يا من تحملتم ظلم ذوي القربى وقتل نسائكم وأطفالكم بأيدي يهود والموارنة وأعوانهما ، يا أهل المخيمات في سوريا ، وفي الأردن ، لن يطول ظلمكم والظلام الذي تعيشون فيه حيث بدأت معركة الإسلام مع الكفر ، ومعركة المسلمين مع يهود وبدأ الحديث يتحقق :" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يقول الشجر والحجر : يا مسلم ، يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فأقتله إلا الغرقد فإنه من شجر يهود " .

والسلام عليكم في المنتصرين والخالدين والمؤمنين ورحمة الله وبركاته

الشيخ أسعد بيوض التميمي

 
الإسراء وعلاقته بقضية المسلمين في الأرض المباركة

إشتد الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار من قريش ، حيث خافت قريش على ما يوفره الكفر لها من إمتيازات طبقية ودينية . وأخذ الصراع بين الحق والباطل يتصاعد بين الدين الجديد وما يمثله من خير للإنسان وما يعطيه للبشرية من حياة كريمة يعبد فيها الإنسان ربه الذي خلقه ، ويسجد لبارئه الذي أوجده فلا يسجد لبشر ، ولا ينحني أمام حجر أو شجر ، ولا يعبد فلكا ولا مظهرا من مظاهر الكون ، وإنما يستمد العزة لنفسه من عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد .

اشتد الصراع بينه وبين الشرك ، وما يمثله من انحطاط في الفكر الإنساني والسلوك البشري الذي يظهر في السجود لحاكم أو كاهن أو حجر أو شجر أو فلك . ذلك الإنحطاط الذي ينتج عنه أن الغرائز في الإنسان تتحكم في مسيرته ، لا مقياس عنده يقيس به الأمـور ، ولا حلال ولا حرام ، وإنما كل أمر مبـاح : من قتل نفس ، أو ظلم إنسان ، أو أكل مال حرام ، إو إستعباد نفس ، أو إذلال للخلق . فلا عجب أن ظهرت الطبقية العرقية المتمثلة في السادة والعبيد ، والأشراف والسوقة . والطبقية الإقتصادية المتمثلة في الربا وأكل أموال الناس بالباطل ، واستغلال حاجة الآخرين للإثراء غير المشروع . والطبقية الدينية بحيث يصبح الدين وفهمه احتكارا على طبقة معينة وناس مخصوصين يستغلون جهل الناس ويطلبون منهم أن يعبدوهم ويطلبون منهم تقديم النذور والقرابين لهم ولما يمثلون .

وأخذ الكفر يقاتل عن مواقعه بشراسة حتى إضطر المسلمون إلى الهجرة مرتين فرارا بدينهم ، وحرصا على عقيدتهم ، وحتى يأذن الله بالفرج .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يقارع قومه الحجة ، يبين باطل ما هم فيه وما عليه حياتهم ، ولكنهم أصابهم الكبر وأشتد فيهم العناد ، وكان الله قد هيـأ له زوجة صالحـة تعتني بأمره وتدعمه بمالها ، وتخفف عنه قسوة عناد قومه ، وجهل عشيرته ، وهيـأ له كذلك عمه أبا طالـب يحميـه ، ويمنعهـم من قتله ، وإن لم يمنـع عنـه ما دون القتـل من الأذى ، وهم مع هذا يحسبون حساب عمه ( لإنه زعيم قريش ) .

ثم إن خديجة - رضي الله عنها - ، وأبا طالب ماتا في عام واحد قبل هجرته بثلاث سنين ، فعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بموتهما ، وذلك أن قريشا وصلوا من أذاهم بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه ، حتى نثروا التراب على رأسه داخل البيت الحرام ، فقـامت إليه ابنته فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- تغسل عنه التراب وهي تبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أبـاك " ، رواه الطبري .

ولما إستعصت قريش ، وصمت آذانها ، وأغلقت قلوبها وعقولها ، اتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، فلما وصلها عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيـف وأشرافهـم ، وهم ثلاثة إخـوة : عبد ياليل بن عمرو بن عمـير ، ومسعود بن عمرو بن عمـير ، وحبيب بن عمرو بن عمير ، فردوه ردا غير جميل . فقال أحدهم :" هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك " ، وقال الآخر :" أما وجد الله أحدا يرسله غيرك " ، وقال الثالث :" والله لا أكلمك أبدا لئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك " .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خـير ثقيف ، وقد قال لهم ، فيما ذكره شيخ المؤرخين المسلمين الطبري :" إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني " ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى إجتمع عليه الناس وألجأوه إلى بستان لعتيبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعـة ، ورجـع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ، فلما اطمأن رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، أخذ يناجي ربه مناجاة الصابر المحتسب يطلب منه المدد والعون حيث قومه لا يستجيبون للنور ولا يلتقون على الخير ، والطائف كانت أسوأ من مكة ، وأقسى من قريش . فأخذ يقول ، كما يروي الطبري :"اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستعضفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكتـه أمري . إن لم يكن بك علي غضـب فلا أبالي ، ولكن عافيتـك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو تحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك " .

تكريم الرسول (صلى الله عليه وسلم) بحادثة الإسراء
في هذا الجو القاتم الشرس كان الله بنبيه رؤوفا رحيما ، وكان حادثة الإسراء من مكة إلى القدس ، وكان المعراج من أرض المسجد الأقصى إلى السماوات العلا ، إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى . وكان في الإسراء أكثر من معنى ، وأثره لا يزال على مر الأيام وكر السنين .

يكرم الله نبيه على صبره ، ويجازيه الجزاء الأوفى على تحمله ، فيستدعيه إليه ، ويقربه منه ، ويرفعه إلى درجة لم يصلها أحد من خلقه حتى ولا الملائكة المقربون ، ويقدم له أرض الشام ، أرض فلسطين ، أرض القدس ، أرض المسجد الأقصى ، هدية إيمـان وجائزة رضـوان فيفـتح النبي صلى الله عليه وسلم أرض الشام ، ومنها ارض فلسطين فتحا ماديا بجسده الشريف . يعلن الله للدنيا في ذلك الحين ، وللدنيا في كل حين أن المسجد الأقصى أصبح مسجدا للمسلمين ، فيصلي فيه النبي الصلاة الإسلامية الأولى إماما للأنبياء المرسلين ، حيث أحياهم الله له ، ويصلي الصلاة الثانية بعده عمر وأبو عبيدة ، وكبار الصحابة والجنود المؤمنون يوم دخل عمر القدس ، وأستلمها من بطريركها صفرونيوس وأعطاه العهدة العمرية التي تنص فيما نصت عليه :" أن لا يسكن إيلياء ( القدس ) أحد من اللصوص واليهود " . وذلك أن كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانوا على علم منه لا يعلمه بقية الناس . وهذا النص في الوثيقة يدل على مبلغ فهم عمر لخطر يهود على هذه الأرض .

 

قدسية المسجد الأقصى
وسـورة الإسـراء تتحدث عن المسـجد الأقـصى ، وإسراء النبي إليـه ، فتقـول : بسم الله الرحمن الرحيم (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصـير) [الإسراء :1] . وقد بنى المسجد الأقصى بعد الكعبة بأربعين سنة ، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال :" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض . فقال : (المسجد الحرام) . فقلت ثم أي ؟ ، قال : (المسجد الأقصى) . قلت كم بينهما ؟ قال : (أربعون سنة ، ثم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فحيثما أدركتك الصلاة فصل) " . فعاد للمسجد الأقصى بالإسراء قدسيته ، وطهره حيث كان المسجد خرابا يبابا لا يصلي فيه أحد إلى أن جـاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فتقررت مسجديتـه في القرآن ، وأستلمه عمر فكان ينظفه هو وأصحابه من النجاسة ، وطهروه وأصبح من يومها منارة علم ودار إيمان ومحجة زوار ومحراب صلاة .

إذن سورة الإسراء قد خلدت علاقة المسلمين بالمسجد ، وإن المسجد للمسلمين حيث أسرى بنبيهم إليه ، وتقرر السورة بركة أرض الشام ، ومنها أرض فلسطين ، وتبدأ بعد ذلك في الحديث عن الفساد والعلو ليهود والتدمير الذي سيلحق بهم ، وأنهم سينازعون المسلمين أرض الإسراء والمسجد الأقصى .

الإفساد الأول:

لا بد أن نقرر هنـا أن علماء التفسـير قد اختلفـوا اختلافــا كبيرا في : متى كان ( الإفسادان ) ؟ ومن دمرهمـا ؟ اللذان أشـارت إليهمـا الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى ( وقضينــا إلى بني إسرائيـل في الكتـاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ) [ الإسراء : 4 - 5 ] . فقال قوم : هم أهل بابل ، وكان عليهم بختنصر . قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - . وقال قتادة :" أرسل عليهم جالوت فقتلهم فهو وقومه أولوا بأس شديد " . وقال مجاهد :" جاءهم جند فارس يتجسسون أخبارهم ومعهم بختنصر " . وقال محمد بن إسحق :" إنه سنحاريب ملك بابل " . وقيل : إنهم العمالقة ، إلى غير ذلك من الأقوال المتضاربة .

ونحن حين ننظر إلى الآيات نظرة موضوعية نجد الأشياء الآتية :

أولا : الأيات مكية ، وتتحدث عن إفسادين وعلو واحد كبير ليهود ، فهل مضى هذان الإفسادان قبل نزول الآية أم أنهما آتيان ؟

مما لا شك فيه أن يهود دمروا أكثر من مرة قبل الإسلام ، وقبل نزول الآيات ، فقد سباهم البابليون ، ودمرهم الرومان ، وذلك أنه منذ أن غضب الله عليهم ، نتيجة سوء تصرفهم وحقدهم على الله وأنبيائه ، جعلهم يتصرفون تصرفا يلجيء البشرية إلى إذلالهم وضربهم . يقـول الله تعـالى في سورة البقـرة [ الآية 61 ] ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصـوا وكانوا يعتــدون ) . ثم تقرر آية أخرى في سـورة أخرى أن العذاب سيستمر في يهـود والتدمـير لهم إلى يوم القيـامة ( وإذ تأذن ربك ليبعـثن عليهم إلى يوم القيــامة من يسومهم سوء العــذاب ) [ الأعراف : 167 ] .

إذن لا غرابة أن يكون الإفساد والعلو ثم التدمير لمرتين بعد نزول الآيات ، والواقع أن المتعمق في الآيات يجد أن المرتين اللتين أشارت إليهما آيات الإسراء في علو يهود وإفسادهم ثم تدميرهم هما بعد نزول آيات الإسراء .

وذلك أن الله يقول ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما ) ، واللام في ( لتفسدن ) لام الإستقبال والتوكيد . واللام في ( ولتعلن ) كذلك لام الإستقبال والتوكيد . والملاحظ أنه عبر عن إفسادين ولكنه قرن مع أحد الإفسادين علوا كبيرا . و ( إذا ) آداة ظرفية تدل على أن الأمر سيقع في المستقبل ، ولا علاقة لما بعدها بما قبلها ، فوجود كلمة " إذا " في الآية تدل على أن الإفساد الأول ثم التدمير الأول آتيان ، وأنهما لم يمرا ، كما أن استعمال "إذا " للمرة الثانية يدل على أنها آتية لم تمر كذلك . ثم يقول الله تعالى (بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار) ، أي أن الذين سيتولون تدمير يهود هم من المؤمنين ، إذ أن الله سبحانه وتعالى حين يضيف كلمة "العباد" لذاته تكون في موضع التشريف ، ويخص بها المؤمنين ، كقوله تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) [ الفرقان :63] ، و(قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم) [الزمر : 53] ، و(سبحان الذي أســرى بعبـده) [الإسراء :1] . وأعظـم مـنزلـة للنبي صلى الله عليـه وسلم أنه (عبد الله ورسوله) ، وفي التحيات نقــول :"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" .

في إحصائية لورود كلمة ( بعثنـــا ) في كتاب الله الكريم نجد ما يلي : إن كلمة ( بعثنا ) استعملت سبع مرات ؛ خمسا منها للأنبياء عليهم السلام ، وواحدة لنقباء بني إسرائيل ( وبعثنا منهم إثني عشر نقيبـا ) [ المائدة : 12 ] ، وواحدة لمعاقبـة بني إسرائيل ( بعثنا عليكم ) .

إذن ( بعث ) ومشتقاتها ، نلاحظ أن المادة لا تستعمل في القرآن إلا في بعث الآخـرة وما يشابهـه . وبعث الأنبيـاء وما يشابهه ، ونلاحظ أن الفعـل الماضي المجرد ( بعث ) استعمل سبع مرات ، خمسا منها للأنبياء عليهم السلام ، وواحدة لبعث طالوت ، وواحدة لبعث الغراب .

إذن كلمة ( بعثنا ) استعملت للأنبياء وما يشبههم ، ولم تستعمل للكفار أو غير المؤمنين ، أي أن الذين سيبعثون مضافون إلى إسم الجلالة سبحانه وتعالى ، وسيكونون من المؤمنين وليسوا من الكفار .

وفي احصائية لكلمة ( عبادا لنا ) : نجد أن كلمة ( عبد ) في القرآن عامة للمسلمين وغيرهم ، بل لا بد من ملاحظة عبد وعباد المضافة إلى ضمير المتكلم ، حيث نجد أن كلمة ( عبدنا ) استعملت خمس مرات للأنبيـاء عليهم السلام فقط ، وكلمة ( عبادنا ) استعملت إثنتي عشرة مرة للأنبياء عليهم السلام والمؤمنين فقط ، وإن صيغة ( عبادا لنا ) لم تستعمل إلا في هذا الوعد ، فاختصاص الصيغ المتشابهة بالأنبياء والمؤمنين وزيادة هذه الصيغة بلام الإضافة والنسبة إلى الله تعالى ( لنا ) يجعل الصيغة دليـلا أو قرينة قوية على أن المبعوثين من المؤمنين فقط ، ومن نوعية خاصة منهم ، ومما يعطي هذه القرينة المتقدمة شيئا من القوة أيضا أن الله سبحانه وتعالى استعمل مادة البعث في الوعيد لبني إسرائيل ، ولكن جعل الصيغة في وعد التسلط عليهم ( ليبعثن عليهم من يسومهم سوء العذاب ) وعبر عن المبعوثين بـ ( من ) ، وقد عرفنا أن هؤلاء المبعوثين هم الوثنيون والمجوس والنصارى والمسلمون ، بينما جعل الصيغة هنا ( بعثنا ) وهي صيغة استعملها للأنبياء وللأولياء فقط عبر عن المبعوثين بـ ( عبادا لنا ) ، وهو تعبير فريد لم يستعمل ما يشبهه في الإضافة إليه تعالى إلا في الأنبياء والمؤمنين ، نعم ورد استعمال ( عبادي ) لغير المؤمنين أيضا ولكنه استعمال يجيء دائما في مقابل دعوى العبودية لغيره تعالى . إذن : إن الذين سيتولون تدمير يهود هم من المؤمنين ، لما مر من الشرح .

وهذا التشريف والتكريم الإيماني لا ينطبق على البابليين ولا على الرومان لأنهم جميعا من الوثنيين ، وينطبق هذا الوصف على رسول الله وأصحابه الذين جاءوا إلى المدينة وليهود فيها نفوذ سياسي واقتصادي ، وكان من أول أعماله صلى الله عليه وسلم في المدينة إبرام المعاهدة السياسية بينه وبين يهود والتي نصت على أن يهود أمة ، وأن المسلمين أمة . فلما غدر يهود ونقضوا العهد كعادتهم ودأبهم سلط الله عليهم المسلمين فجاسوا خلال الديار اليهودية وتغلغلوا فيها وأزالوهم عن المدينـة وخيبر وتيماء ، فزال سلطانهم ، وتم تدمير فسادهم من خلال معارك بني قريظة وبني النضير ومعارك خيبر الشهيرة ، وتأتي سورة الحشر لتؤكـد هذا المعنى في قوله تعـالى في وصف معـارك المسلمين مع يهود في المدينـة ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فأعتبروا يا أولي الأبصار ) [ الحشر : 2 ] . و " الحشر " هنا هو إخراج يهود من الحجاز تمهيدا لحشرهم في ديار الشام للإفساد الثاني والعلو الكبير - كما هو الآن - ثم التدمير .

وقفة عند بعض معاني الآية

( أولي بأس شديد ) : أي أولي مكروه شديد ينزلونه بالعدو ، والبأس والبأساء بمعنى المكروه والشدة ، ويستعملان في النكاية بالعدو كما في مفردات الراغب الأصفهاني ، بينما ( أولو قوة ) تعني أولي وسائل حربية وجنود ، فالقوة في مجال الحرب تعني المعاون من خارج النفس كما ذكر الأصفهاني أيضا ، ولذلك وردا في القرآن معطوفين في قوله تعالى ( قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد ) [ النمل : 33 ] ، أي نحن أولو سلاح وجنود ، وأولو مكروه ننزله بالأعداء . إن وصف الله سبحانه وتعالى لهؤلاء المبعوثين على يهود بأولي بأس شديد دون أولي قوة ، له بعدان :

الأول : إن الغرض الأساسي في وعد يهود بالعقوبة هو بيان أن هؤلاء المبعوثين ، سينزلون المكروه الشديد بهم ، وهو يتناسب مع ذكر البأس .

الثاني : إن عدم ذكر قوة هؤلاء المبعوثين والتي تعني وسائل حربهم وكثرة جنودهم أمر مقصود ، لأنهم قد لا يملكون هذه الكثرة ولا يكونون أولي قوة كثيرة ، ومع ذلك فهم أولو بأس شديد ، وهذا هو حال المسلمين عندما قضوا على إفساد يهود الأول في صدر الإسلام ، وهو حالهم عندما سيقضون عليهم ، ويتبرون علوهم الكبير بإذن الله في المرة الثانية .

( فجاسوا خلال الديار ) : استعمل القرآن الكريم وللمرة الوحيدة هذا التعبير الذي هو في اللغة العربية كالمصطلح العسكري لدخول المقاتلين وهم يتتبعون بقايا مقاتلي العدو ، أي سيترددون بين بيوت يهود لتتبع مقاتليهم وهو أدق تعبير من القضاء على القوة القتالية ليهود ، وهو بالضبط ، ما فعله المسلمون عندما بعثهم الله على يهود في صدر الإسلام .

(وكان وعــدا مفعــولا) : لم يستعمـل القـرآن الكريم هذا التعبـير إلا في هذا الموضـع ، واستعمل تعبيرين قريبين منـه ، أولهما في نفس سورة الإسراء وبعد قوله لبني إسرائيـل (فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) [الإسراء : 104] ، وقال تعالى (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العـلـم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعـولا) [الإسراء : 107-108] ، وثانيهما في خطابه تعالى لمشركي قريش بعد تشبههم بفرعون وذكر ما حل به (فكيف تتقـون إن كفرتم يوما يجعـل الولدان شيبا * السماء منفطر به كان وعده مفعولا ) [المزمل :17 - 18] .

أما قوله تعالى ( سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) فهو حكاية لقول العلماء في حق القرآن . فيبقى إستعمالان من قبل الله تعالى لـ " الوعد المفعول " ، أحدهما إنذار لفراعنة قريش بوعد اليوم الآخر الذي لا يطاق ، والثاني إنذار ليهود بيوم المسلمين عليهم الذي لا يطاق .

الفرق بين معنيين

الفرق بين فعل ( فجاسوا خلال الديار ) الذي يوحي بسرعة هزيمة يهود وسهولة القضاء عليهم وبين أفعال الثانية ( ليسوءوا ، وليدخلوا ، وليتبروا ) التي توحي بضراوة المقاومة وترسم للمواجهة صورة عنيفة ، لا يُهدّئها دخول المسجد في وسطها ، بل يأخذ منها عنف التحدي وفرحة الإنتصار .

تأمل في الإفسادين والعلو الوارد في الآية ترى أن الله سبحانه وتعالى تكلم عن إفسادين لبني إسرائيل ، وعندما تكلم عن العلو ، لم يقل : ولتعلن علوين كبيرين ، وإنما قال ( ولتعلن علوا كبيرا ) . إذن سيكون العلو الكبير مرة واحدة مصاحبا لأحد الإفسادين ، والمتأمل للإفساد الأول يجد أنهم كانوا قبائل ليس لها سيطرة على من حولها ، ولذلك لم يتمكنوا من العلو ، وأما المرة الثانية والتي يعيشونها الآن ، فإنهم قد علو علوا كبيرا ، وسيطروا على من حولهم من المسلمين ، بدعم من دول الكفر مجتمعة ، وسيطروا على الأرض المقدسة وقتلوا المسلمين شيوخا ونساء وأطفالا ، فمن معاني العلو قمة الفساد كما قال تعالى في حق جبروت فرعون ( إن فرعون علا في الأرض ) [ القصص : 4 ] . إذن العلو الكبير لم ينطبق تاريخيا إلا على علو يهود في هذه المرة التي تأتي مع الإفساد الثاني في الأرض .

الإفساد الثاني:

التدمير الأول كان إخراج يهود من الحجاز . فخرج قســم منهـم إلى (أذرعات) من أرض الشام حتى تبدأ المرة الثانية من إفسادهم وعلوهم ، يقول الله تعالى ( وكان وعدا مفعولا ) [الإسراء :5] ، يعني أنه تم تدمير الإفساد الأول في عهد النبي ، والوحي ينزل ، وأتمه أصحابه من بعده . وتبدأ الآيات بعد ذلك تتحدث عن المرة الثانية في الإفساد يصاحبه العلو الكبير ، فتخبر الآيات أن الله سبحانه وتعالى سيجعل ليهود الكرة عليهم ، على من ؟ على الذين جاسوا خلال الديار أول مرة ، ( والكرة ) الدولة والسلطة . وحين أراد الله ليهود أن يكروا استعمل كلمة ( ثم ) . وثم : كما هو معروف ، معناها العطف مع التراخي والمهلة . فهل كر يهود في التاريخ على البابليين ؟ ، وكانت لهم دولة وسلطة عليهم ؟ لم يحدث ذلك في التاريخ ، ولن يحدث الآن ولا في المستقبل ، حيث إن البابليين قد إنقرضوا من الدنيا كأمة ، وليس لهم كيان يعرفون فيه ، أو دولة يعيشون فيها . وحاشا لله أن لا يصدق القرآن أو يكون خبره غير محقق . إذن لا بد أن تكون الكرة على أبناء من جاسوا خلال الديار ، وهم المسلمون أو العرب المسلمون ، فقد كر يهود على بلاد الشام وفلسطين منها . وهذا هو الذي حدث ونعيشه الآن ، ويعاني منه المسلمون كل المسلمين ، وما ينطبق على البابليين ينطبق على الآشوريين والكلدانيين وغـيرهم من الدول التي عاقبت يهـود عبر التاريخ .

واقرأوا معي بقية الآيات التي تمضي فتصف الواقع الذي نعيشه وتعيشه دولة يهود ، إذ بعد أن جعل الله الكرة ليهود علينا ، يقول الله تعالى ليهود (وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) [الإسراء : 6] . وهنا نسأل مرة أخرى : هل أمد الله يهود بأموال وبنين غير هذه المرة ؟ لم نعرف أن ذلك قد حدث في التاريخ ، ويهود منذ أن غضب الله عليهم وهم في بلاء متصل وعذاب مستمر ، فقبل الإسلام كان عذاب البابليين لهم والرومان . وبعد الإسلام أخرجهم المسلمون من الجزيرة ثم بدأت أوروبا تعذبهم في إسبانيا وفي بقية أقطارها حتى جاء المسلمون فأنقذوهم من الإسبان ، واستمر العذاب لهم حتى هذا القرن . ولقد عاش يهود في ظل دولة الإسلام عبر القرون آمنين مطمئنين ، تحفظ لهم دماءهم وأموالهم ، ولكنهم لم يحفظوا الجميل .

وحتى نرى مبلغ صدق الآية ، ونرى إعجازها بأعيننا نجد دولة يهود اليوم تعيش على البنين الذين يأتونها من أطراف الأرض ليمدوها بالجند ، وفي هذه الفـترة من روسيـا بالـذات ، وترى الأمــوال من دول الغرب تأتيها بمساعدات مذهلة حتى تستمر في عدوانهـا وطغيانهـا وجبروتهـا . ثم يقول الله سبحانه وتعـالى ( وجعلناكم أكثر نفيرا ) ، ولذلك فإن أكبر قوة عسكرية في الأرض تساند دولة يهود في حال نفرتها وحربها ( أمريكا والحلف الأطلسي ) .

إذن هذا هو العلو ، فما بال الإفساد ؟ وحتى يتحقق الإفساد ، فنرى يهود في دولتهم يرتكبون أفظع الجرائم بحيث فاقوا كل أنواع العذاب التي عانوا منها في زعمهم ( من هتلر وغيره ) ، ولذلك يحذرهم الله فيقول لهم ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) [ الإسراء : 7 ] . وهذا الإحسان دنيوي يجازون عليه في الدنيا ، كما جاء في قوله تعالى ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ) [ البقرة : 200 ] . ويهود قد أساءوا فقتلوا النفس الإنسانية وعذبوها ويتموا الأطفال ، وسجنوا النساء ، وهدموا البيوت ، واغتصبوا الأرض وأقاموا المستعمرات ، وحرقوا الأقصى في (21 / أيلول / 1969م ) ، والأقصى عند الله عظيم ! ودنسوا مسجد الخليل عليه السلام ، والخليل عند الله هو الخليل . وأرتكبوا جريمة الجرائم في مسجد الخليل يوم أن عمدوا إلى كتاب الله فمزقوه وداسوه بالأقدام ، وقتلوا المصلين وهم ساجدون بين يدي الله ترتفع تسبيحاتهم إلى الله في فجر يوم الجمعة الخامس عشر من شهر رمضان المبارك 1414هـ ، فقتلهم كان في فجر يوم مبارك في شهر مبـارك في مسجد من أعظم المساجد عند المسلمين . في حجر أبي الأنبياء والمرسلين الذي أتخذه الله خليلا (واتخذ الله إبراهيم خليـلا) [النساء : 125] .

ولذلك فإن الله سيسرع في عقوبتهم لأن الله يمهل الظالم كما جاء في الحديث حتى إذا أخذه لم يفلته . وقد أخذوا لبنان غدرا وخيانة ، وارتكبوا فيه ما لم يرتكبه أحد من البشر قبلهم هم و ( الموارنة ) الذين هم أشد الناس عداوة للمؤمنين ، والموارنة الذين يرتكبون جرائمهم باسم الصليب -وهذا احتقار المسيح عليه السلام- والمسيح منهم براء . ولقد أعلنت في خطابي أمام جماهير المسلمين في عمان في يوم عيد الأضحى المبارك ( 1402هـ / 1982م ) أن الموارنة لم يعودوا أهل ذمة في ديار المسلمين ، وأنهم نقضوا العهد الذي أعطاه عمر -رضي الله عنه- لنصارى بلاد الشام في ( العهدة العمرية ) ، وبذلك تسبى نساؤهم وذراريهم كما فعلوا في المسلمات وأطفال المسلمين في مخيمي صبرا وشاتيلا .

وهنا تأتي عقوبة الله لهم على ما أقترفوه من الإثم والجرائم ، بتفسير من الآيات أن دولتهم لن يطول إفسـادها ولا علـوها ، فيقـول الله ( فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبـيرا ) [ الإسراء : 7 ]. وهنـا حين يخـبر الله عن زوال دولتهم ، استعمل حرف ( الفاء ) للعطف ، ولم يستعمل ( ثم ) . والفاء للعطف مع التعقيب . والتعقيب لكل شيء بحسبه وما يناسبه ، وهو يدل على السرعة في حصول المقصود ( فإذا جاء وعد الآخرة ) ، أي لذهاب علوهم ، تصبح وجوه بني إسرائيل سيئة . ويبشرنا ربنا جلت قدرته ، أننا سندخل المسجد الأقصى كما دخلناه أول مرة ، وهذه المرة الأولى :

الفتح العمري للقدس ودخول المسجد حين دخله صلحا ، والذي يبـدو من سيـاق الآية أن الأقصى والقدس وفلسطين سترجع على ثلاث مراحـل :

المرحلة الأولى : إساءة الوجه . . وهذه تكفلت بها الإنتفاضة التي لم يصنعهـا أحدا من القيـادات الفلسطينية وإنما هي من تدابير الله . و " الفاء " هنـا في قوله سبحانه وتعالى ( فإذا جاء وعد الآخرة ) يسميها علماء النحو " الفاء الفجائيـة " ، فسيتفاجىء العالم بالأمر ، فهل هذا الأمر هو قيام الخلافة الإسلامية من جديد ؟؟ .

المرحلة الثانية : هي دخول الأقصى كما دخله عمر - رضي الله عنه - حيث دخله بصلح ، فهل ستؤدي هذه المفاوضات التي تجري الآن بين حكام الخيانة من العرب وبين يهود إلى دخول المسجد وإرجاع بعض القدس ؟ .

المرحلة الثالثة : هي التدمير الكامل لدولة يهود . وفي هذه الآية إشارة إلى الأسلحة المتطورة ، فإن السلاح الذي يجعل العمارات الشاهقة على مستوى التراب هي الأسلحة المتطورة وليست الأسلحة التقليدية .

والمرة الثانية : هي هذه التي نحن على أبوابها ، حيث سيدخل المسلمون المسجد فاتحين للمرة الثانية ، ثم يقرر الله أننا سنتبر أي ندمر ونهلك علو يهود المادي والمعنوي .

ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن فلسطين لم تعرف العمارات ذات الطوابق ، التي تصل إلى عشرين طابقا أو أقل أو أكثر ، إلا في ظل اغتصاب يهود لها ، ولذلك فإن هذه العمارات الشاهقة التي يقيمونها في الأرض المباركة سيلحقها الدمار والخراب . ثم تمضي الآيات فتحذر يهود من محاولة العودة للإفساد والتعالي ، فيقول الله (وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) [الإسراء : 8] ، وتأتينا البشرى من الله بعد أن يفهمنا ربنا أن القرآن يهدي إلى الطريق السوي والحياة الصحيحة ، تأتينا البشرى بالنصر فيقول (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا) [الإسراء : 9] . وفي آخر سورة الإسراء آية أخرى تتعلق بهـذا الأمر ، وهي قوله تعالى (وقلنا من بعــده لبني إسرائيل أسكنوا الأرض فإذا جاء وعــد الآخرة جئنا بكـم لفيفا) [الإسراء : 104] ، أي تفرقـوا في الكرة الأرضية وهذا من غضب الله عليهم ، و " لفيفا " أي جماعات .. جماعات ملتفة ( وهكذا يأتي يهــود مهاجرين إلى فلسطين ) . وفي بقيـة الآية إنــذار ليهود وبشرى لنــا ، فيقول الله ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) [ الإسراء : 105 ] . فإذا ربطنا هذه الآيات وتفسـيرها بالحديث الذي يدلنـا على صدق النبوة ، ومعجـزة الرسـول صلى الله عليه وسلم حين أخبرنا عن قتال يهود فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم وهو قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) :" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يقول الشجر والحجر : يا مسلم ، يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فأقتله إلا الغرقد فإنه من شجر يهود " . والغرقد شجيرة صغيرة كثيفة الأغصان تزرع الآن في كل أنحـاء فلسطين ولا يزال أهل ( النقب ) بفلسطين يسمونها ( الغرقد ) ، ولها أسماء أخرى في بقية أنحاء فلسطين ، ويزرعها يهود بأيديهم .

وهذا هو السبب في أنه لم تنجح المحاولات لتثبيت دولة يهود . وذلك أنه منذ سنة 1948م ، وكل محاولة للصلح وتثبيت دولة يهود يفشلها يهود انفسهم ، وذلك لأن يهــود لا يعالجون أي أمر إلا بالحقد والتـآمر والخديعـة . ويقرر الله أن لا عقـل عندهم فيقـول (لا يقاتلـونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهـم شـديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) [الحشر : 14] . وذلك كله يجري حتى يأتي اليوم الموعود يوم تتخلص المعركة من الأيديولوجيات المنافية للإسلام . وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر في حديث قتـال يهود أن الحجر والشجر سينطق ويقـول :"يا مسـلم ، يا عبد الله ، خلفي يهودي فتعال فأقتله" . إذن لن يكون قتال النصر في فلسطين قتالا يمينيا ولا يساريا ، وإنما سيكون قتالا إسلاميا في سبيل الله كما كان دائما قتال النصر للمسلمين، ولذلك لا عجب أن لا ننتصر على يهود حتى الآن ، لأننا لم نقاتل بالإسلام ، فلو إنتصرت الأنظمة العربية لكذب القرآن !!. لأنها أنظمة كافرة ، تحكم بالربا ، وتبيح الزنا والخمر والميسر ، ولا تستعد لقتال عدوها ، وقد ألغت الجهاد من حياتها وبرامجها ، ويعيش حكامها حياة غير إسلامية . وكان من المستحيل أن تنتصر الثورة الفلسطينية بوصفهــا التي كانت عليه ، لأنها لم تتخذ الإسلام طريقــا وأسلوبا ومنهاجــا . والله يقول ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) [ محمد : 7 ] ، فما نصروا الله حتى ينصروا .
 
الأرض المباركة

الآية السابقة الذكر في سورة الإسراء قد نصت على بركة الأرض التي تحيط بالمسجد الأقصى ، وكذلك آيات أخرى نصت على هذه الـبركة مثل قوله تعالى في سورة الأنبيـاء في حق الخليل إبراهيم عليه السلام (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) [الأنبياء : 71] ، وقوله (وجعلنا بينهم وبين القـرى التي باركنا فيهـا قـرى ظاهـرة وقدرنا فيهـا السير سيروا فيها ليـالي وأياما آمنين) [سبأ : 18] ، وكذلك قوله سبحانه وتعالى (ولسليمان الريح عاصفـة تجري بأمره إلـى الأرض التي باركنا فيها) [الأنبيـاء :81] . وقوله تعالى (وأورثنـا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها) [الأعراف : 137] . وبالإضافة إلى عشرات الأحاديث النبوية الشريفة .

والبركة هي الزيادة في كل شيء . وليست بركة هذه الأرض مادية فقط ، وإنما بركتها بالإضافة إلى الأشياء المادية بركات معنوية تتمثل في أنها عش الأنبياء، ولذلك فكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في دفنه في بيت المقدس عند وفاته بإعتباره عش الأنبياء ، وكانت لم تفتح بعد . وهي مهبط الوحي ، وهي مسرى النبي ومعراجه صلى الله عليه وسلم منهـا ، وهي القبلـة الأولى ، فقد صلى المسلمون إلى مسجدها أربع سنـوات ونيف ، منها ثلاث سنوات في مكة حيث فرضـت الصلاة في السنة العاشرة من البعثـة ، فأمر النبي والمسلمون معه أن يصلوا إلى القدس ، وأن يجعلوا الكعبة بينهم وبين القدس ، وصلى سبعة عشر شهرا إلى القـدس في المدينـة . ومسجدها تشـد إليـه الرحـال ، كما ورد في الحديث الذي رواه البخـاري ومسلم عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم :"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" .

ومن بركة هذه الأرض أنه حينمـا يبتعد المسلمون عن محـور عزهم ومركز قوتهم ، وهو الإسلام ، يضعفون ويتمزقون وتكثر دولهم ودويلاتهم ، فيسهل على العدو أن يتسرب من خلالهم فيأخذ الأرض المباركة ويأخذ المسجد الأقصى ، وعندها يتحرك المسلمون حركة حياة جديدة ، وينفضون غبار الهزيمة فيعملون لاستخلاص هذه الأرض ، فعن طريق استخلاصها يتم توحيد الأمة .

ولذلك لن يصل أحد إلى حل عادل مع يهود وأعوانهم حتى يأتي أمر الله ويتوحد المسلمون ويعود الإسلام محركا للحياة في ديار الإسلام وفي العالم كله .

وقد ظهرت بركة هذه الأرض في الحروب الصليبية ، إذ بعد أن أخذها الصليبيون وظنوا أن الأمر قد استقر لهم ، كانت حروبهم سببا في توحيد المسلمين من جديد ، فكان نور الدين زنكي الذي وحد الأجزاء المبعثرة ، وأخذ الراية منه صلاح الدين ، فكانت حطين النصر المبين ، وكانت معركة القدس فيما بعد ودخلها رحمه الله ، فأعاد الأمن والأمان إليها وعاد مسجدها إلى قدسيته وطهره .

رباط أهل الشام

وقد قدر لأهل الشام وفلسطين منها ، أنهم مرابطون إلى يوم القيامة حيث الكفار لا يتركون الأرض المباركة يستقر أهلها وهم يريدون إزالة مسجدها ليقيموا عليه الهيكل اليهودي .

روى الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم :" إن أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإمائهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون ، فمن نزل مدينة أو قرية من المدائن فهو في رباط ، أو ثغر من الثغور فهو في جهاد " . وقدر أهل الشام كذلك ، أن ينتقم الله بهم من أعدائه . فعن خريم بن مالك :" إن أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده ، وحرام علي منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولا يؤتون إلا هما وغما " . رواه الطبراني مرفوعا وأحمد موقوفا ورجاله ثقات .

عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول :" الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة ، فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئــذ " . رواه الحاكـم وقـال صحيـح الإسنـاد . وقد روى أبو بكر بن شيبـة عن أبي الزاهرية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" معقل المسلمين من الملاحم دمشق ، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس ، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطــور " .

وعلى هذا فالأرض المباركــة بركتها بالإضافــة إلى الأشيــاء المــادية التي ذكرها المفسرون من الثمار والأشجار والأنهار والأرض المعطاء والسهل الخصيب والجبال العالية والأرض المنخفضة التي تجعلك تنتقل في ساعة أو أقل من مستوى سطح البحر إلى العلو الشاهق إلى الغور المنخفض ، فهناك البركة المعنوية ، والبركة المادية تتصاغر أمام البركة المعنوية ، وباركها الله فجعلها القبلة الأولى يصلي إليها المسلمون ، وأسرى بنبيه إليها ، وعرج من مسجدها إلى السماوات العلى ، وجعل مسجدها الأقصى تشد إليه الرحال ، وهي عش الأنبياء ، وهذا مما جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذهب بنفسه لإستلام القدس ، ولم يذهب لإستلام المدائن ولا مصر ولا العراق رغم أنها بلاد هامة غنية .

الوطن البديل

حين يتحدث يهود وأعوانهم عن (الوطن البديل) للفلسطينيين فهم يظنون أن أي أرض يمكن أن تستبدل بالأرض المباركة ، ويظنون أن الأمر أمر اسكان (لاجئين) أو استقرار مشردين ، وهم يتجاهلون أن هذه الأرض لا تدانيها أرض أخرى ، ولا يمكن أن يقـوم مقامها وطن بديل في أي بقعـة من بقاع الكرة الارضية، إذ أن هذه الأرض مرتبطة بعقيد المسلمين ، سجلت في كتاب الله بوصفها القبلة الأولى ، وبوصفها مسرى النبي ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبوصفها الأرض المباركة ، ولذلك فهي لا تخص الفلسطينيين وحدهم ، ولا تخص العرب وحدهم ، بل هي تخص المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا ، وما دام كتاب الله (القرآن) موجودا على الأرض يتلى ، وفي الأرض مؤمنون فليس هناك إستقرار لدولة يهود ، وهي في طريقها لأن تصبح من مخلفات التاريخ كما أصبحت دولة الصليبيين من قبلها من مخلفات التاريخ تؤلف الكتب عن أسباب زوالها ، ويكتب الباحثون أبحاثهم ويعطي العلماء آراءهم في ذلك ، إنهم ينسون الحقيقة الأزلية وهي استحالة أن يملك هذه الأرض غير المسلمين وأن تبقى في حوزة أعدائهم طويلا .

والواقع أن العالم كله لا يفقه القضية الفلسطينية أو القضية اليهودية بالأحرى ، وإنما كل فئة تنظر إلى القضية من زاوية معينة تتفق مع مصلحتها ، وهذه النظرة بالنسبة لمصالحها صحيحة . فالغرب ينظر للقضية على أنها امتداد للحروب الصليبية وأن يهود أداة في يديه لتمزيق الوطن الإسلامي والسيطرة على بلاد المسلمين وتهديدهم حتى لا يفيقوا مرة أخرى ، فيتصدوا لقيادة الدنيا وإنقاذها مما تعانيه . والشيوعية ( قبل أن تزول ) تنظر إلى القضية على أن بقاء دولة يهود في بلاد المسلمين أمر ضروري لإيجاد التناقض الطبقي حسب الفكر المادي ، وهي مع بقاء دولة يهود ، و تحارب الطبقة الحاكمة في إسرائيل حربا طبقية بإعتبارها عميلة للغرب ، ويهمها أن يبقى التناقض وعدم الاستقرار في المنطقة ، لأن ذلك حسب وجهة نظرها يغذي الحركة الشيوعية وينميها ، وقد ثبت فشل هذه النظرية عمليا وسقطت الشيوعية مع سقوط الإتحاد السوفياتي .

وأهل البلاد الذين أخرجوا من ديارهم ( الفلسطينيون ) ، ينظرون إلى القضية من زاوية أنهم شعب ظلم وشر وأضطهد ، فهم يريدون حياة الإستقرار في الأرض التي ولدوا فيها أو نبت آباؤهم فيها ، أو دفن أجدادهم في ترابها فهم يحنون بفطرتهم إليها ولا يريدون في الدنيا أرضا تكون بديلا لها وهذا صحيح . ولكن هذه النظرات المختلفة للقضية من زواياها المختلفة ليست هي القضية . وإنما القضية تتعلق بالعذاب المكتوب على اليهود عبر التاريخ نتيجة لسوء تصرفهم ولحقدهم على الإنسانية .

حتمية زوال دولة إسرائيل

لقد حاول العالم منذ 1948م والقوى الكبرى في العالم أو الغرب على وجه التخصيص ، أن يثبت إسرائيل دولة قوية ، فوضع الحلول وحاك المؤامرات . ولكن المؤامرات تفشل والطبخات تحترق ، وذلك بقدرة الله وثم معاونة يهود أنفسهم حيث يرفضون كل ما يعرض عليهم حتى يأتي يومهم الموعود ، وقدرهم المرصود فتزول دولتهم بآثامها وشرورها . وإن الغرب اليوم يحاول جاهدا لإنقاذ دولة يهود من مصيرها المحتوم وقدرها المرسوم رغم أنفها ، ولكن يهود يتمردون على من أوجدهم ، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون وصدق الله إذ يقول في حقهم ( لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) [ الحشر : 14 ] .

فإذا تأملنا هذه الآيات في ضوء حديث البخاري ومسلم - الذي يقول فيه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أنه :" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فليقتلهم المسلمون "  . علمنا المصير الذي ينتظر دولة يهود .

حتمية دولة زوال إسرائيل في ضوء آيات المائدة

كان الله قد شتت يهود في الأرض بعد موسى عليه السلام ، ولم يحدث لهم تجمع ولا سلطة يعتد بها إلا في فترات قصيرة مع بعض انبياءهم ، وحين تجمعوا في أرض الجزيرة العربية ، في أرض الحجاز ، وكانوا يعلمون من كتبهم ، وأخبار أنبيائهم أن النبي الأخير سيخرج من جزيرة العرب ، فرحلوا إليها قبل البعثـة بفـترة طويلة عل هذا النبي يكون من بينهم ، ولقد نمت قوتهم في هذه الفترة إقتصاديا ، فكانت التجارة والزراعة في المدينة وما حولها وفي خيبر وتيماء بأيديهم . وكانوا يكونون مجتمعا مستقلا بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما وصل إلى المدينة وكون نواة الدولة الإسلامية الأولى ، عقد مع يهود معاهدة سياسية حدد فيها العلاقات بين الطرفين وكيفية التعامل .

فلما نقض يهود العهد والميثاق ، كدأبهم ، وتآمروا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين ، وعلى الدولة الجديدة ، إضطر إلى محاربتهم وهدم واستئصال إفسادهم في الجزيرة العربية كلها ، وهكذا كان .

وأما المرة الثانية من الإفساد المصاحب بالعلو الكبير فهذه التي نعيشها الآن وقد بينت ذلك مفصلا في تفسير سورة الإسراء في الصفحات السابقة .

عداء النصارى ليهود

بقي يهود بعد التدمير الأول متفرقين في الأرض ، يعيشون في كنف الشعوب والأمـم ، وأصــبح لهـم في كـل مدينــة كبـيـرة في العـالم حي منغلـق يعـرف باسمهــم ( غيتو ) . وكانت وسيلتهم في مد نفوذهم هي الربا والإحتكار والغش والقمار ونشر الفساد والزنا . إذ أن ( اليهودي ) في عقيدته ليس من كان أبوه يهوديا ، بل من كانت أمه يهودية . وهذه العقيدة اليوم تثير مشاكل في زعزعة دولة يهود ، إذ إن كثيرا ممن ضحوا في سبيل كيان ما يسمى بـ ( دولة إسرائيل ) وتزوجوا غير يهوديات ، لا يصح لأبنائهم أن ينالوا ( شرف ) الإنتماء إلى يهود ، أما من كانت أمه يهودية فينال (شرف) الانتساب إلى اليهود بغض النظر عن الأب من أي جنس أو دين أو لون كان .

وهكذا عاش يهود في الأرض مشتتين ، وقد سبب ذلك لهم أن الشعوب أخـذت تضطهدهم وخصوصـا النصـارى الذين كانوا يوجهون بقيادة الكنائس المختلفـة ، وكانت معاداة النصارى ليهود معاداة مبنية على العقيدة لدى الطرفين ، فالمسيح الموعود في عقيدة يهود لم يأت بعد ، وهم لا يعترفون بالمسيح عليه السلام، بل اتهموا مريم عليها السلام بالزنا مع يوسف النجار - والعياذ بالله - ، وافتروا أن عيسى عليه السلام هو ابن ليوسف النجار ، وأما مسيحهم الموعود فهم ينتظرونه حتى اليوم ، مما جعل يهود في عهد عيسى عليه السلام ( وقد أرسل إليهم ) يتآمرون عليه ويوشون به لدى السلطة الرومانية التي حاولت أن تلقي القبض عليه وتصلبه ، ولكن الذي حدث أن الذي وشى بالمسيح عليه السلام هو يهوذا الأسخريوطي ، وكان يشبه المسيح عليه السلام وهو الذي تم القبض عليه وهو الذي عذب وصلب . ويسجل الله هذه الحادثة في القرآن الكريم ويبين الله أسباب غضبه على يهود فيقول تعالى ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا * وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما * وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين إختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما * وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) [النساء : 155-159] .

لذا في عقيدة النصارى أن يهود قد صلبوا المسيح ، وجاءت نصوص في الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى حاليا تحمل يهود دم المسيح ، وأن اللعنة تلحقهم إلى يوم الدين ، ومن هنا تركزت العداوة بين يهود والنصارى عبر التاريخ . ولما كان النصارى هم أصحاب السلطات في الغرب (أوروبا وأمريكا) فعمدوا إلى يهود فاضطهدوهم وعذبوهم وقتلوهم . فلم تبق دولة أوروبية إلا وأضطهدت يهود باسم المسيحية .. في إنجلترا ، في فرنسا ، في ألمانيا ، في إيطاليا .. وغيرها ، كانت تسن القوانين لإضطهاد يهود ، وتضيق الخناق عليهم بحيث تكون حياتهم قاسية مريرة . وكان يهود يردون على هذه القوانين بأساليبهم الخاصة ، بتخريب اقتصاد تلك الدول بالدس والخديعة وتخريب الأخلاق وإشعال الحروب .

يقـول الدكتور صابر عبد الرحمن طعيمة في كتـابه (اليهود بين الدين والتاريخ) :" مهما اختلف الرأي حول البواعث الحقيقية لعمليات الطرد والتعذيب التي كان يلقاها يهود في أوروبا تضييقا واضطهادا من قبل مسيحيي أوروبا ، فإنه حدث وخاصة في عام (1348م) و(1349م) أن قام المسيحيون بموجة من الاضطهاد ليهود ، كان فيها المسيحيون يتخذون من قتل يهود وسيلة للتقرب إلى الله الذي يكرههم ويمقتهم . كان يهود يبذلون جهدهم لمقاومة موجات الإضطهاد الأوروبي ، فإن موقف الشعوب الأوروبية بمختلف اتجاهاتها كانت ترى التخلص من يهود تحررا من الخطر الرابض وسط التناقض الأوروبي والمخطط له من قبل يهود لإستبقائه وتعميق أسبابه .

وإني أقدم أمثلة لما قامت به دول أوروبا المسيحية من عذاب لليهود على مر التاريخ " .

- ألمانيا تضطهد يهود :

لقد حدث في أغسطس سنة 1401م أن أصدر الملك روبرشت (1400-1410م) قرارا بطرد جيمع يهود من إقليمي الراين وبافاريا ، كما حرص الملك على وجوب إرتداء اليهود ملابسهم الخاصة التي سبق أن ابتدعهـا عام 1210م البابا (ينوسينت الثالث) ، ومن ثم أخذت هذه العادة تنتشر في كثير من الدول الأوروبية .

وظل يهـود عرضـة للتقتيـل والحرمـان والـتشريد حتى جـاء فريدريك الثـالث (1470-1493م) فشعر بعبء الضائقة المالية التي تعانيها البلاد بسبب القيود التي فرضتها الكنيسة وأصحاب الجاه من الإقطاعيين على الأهالي ، سواء أكانوا مسيحيين أم يهودا ، فتدخل القيصر وأعلن حمايته ليهود ، ولكن حدث أن وجد طفل لم يتجاوز الثانية من عمره مقتولا في ترنيت بإيطاليا عام 1445م ، وأتهم المسيحيون اليهود بقتله، وأنتشرت المذابح هناك ، ومنها إنتقلت إلى مدينة نورنبرغ الألمانية حيث تعرض يهودها لكثير من الأعمال الوحشية عام 1476م .

وحدث أن مجلس مدينة نورنبرغ تقدم برجاء عام 1473م إلى القيصر فريدريك الثالث بطرد جيمع اليهود من المدينة ، فأهمل القيصر هذا الرجاء حتى جاء القيصر ماكميلان الأول ( 1493 - 1519م ) ، وأصدر في يوليو عام 1498م قرارا بإجابة هذه الرغبة وطرد اليهود نساء ورجالا من المدينة .

ولم يقف طرد يهود وإجلاءهم عند هذا الحد ، بل أخذت المدن الأخرى إلى التسابق للتخلص منهم . وحدث عام 1509م أن شخصا يدعى يوحنا كورون (كان في الأصل جزارا يهوديا ثم ترك اليهودية إلى المسيحية) تقدم إلى القيصر ماكميلان ورجاه مصادرة جميع الكتب اليهودية وإتلاف تلك التي جاءت فيها إساءة للمسيحية . وحاول يوحنا هذا كسب العالم الإنساني رويشلين إلى صفه ، إلا أن رويشلين رفض التعاون رغبة في الإبقاء على الكتب اليهودية فسبب موقفه هذا خصومة حادة مع جماعة الدومينيكان في كولونيا (وكانوا متعاونين مع يوحنا) فأخذوا يكيدون للعالم رويشلين ، ويقاومون الرغبة التي دعت إلى تعليم اللغة العبرية ، وتوجه رويشلين إلى دراسة المؤلفات العبرية من الناحية اللغوية . وقد إنتصر يهود في هذه المعركة العلمية الأدبية حتى أن البابا ليو العاشر سمح للطباع المسيحي دانيال روتنبرغ بطبع الطبعة الأولى للتلمود ، إلا أن رويشلين ، بالرغم من هذا التوفيق ، كان قد أصبح في موقف حرج جدا بسبب كيد الدومينيكان ودسائسهم مما إضطر إلى طلب المساعدة ووساطة اليهودي يونس فودة الطبيب الخاص للبابا بالتدخل في سبيل فض هذه الخصومة . ولم يقف رويشلين وحيدا في هذه الخصومة بل سانده المصلح البروتستانتي مارتن لوثر (1483-1546م) ، وخاصة من الناحية اللاهوتية ، فاليهودي في رأي لوثر يجب أن يعتنق المسيحية لأنه أخ للمسيح وأن المسيح يهودي . إلا أن أمل لوثر في تنصير اليهود تلاشى ، فخاصم اليهودية لموقفها من التعاليم المسيحية اللاهوتية . وقد أثر موقف لوثر هذا من اليهود على وضع اليهود في أوروبا وإشعال روح العداوة ضدهم حتى عصرنا الحالي ، إذ كان رأي لوثر هذا من العوامل الهامة التي إمتزجت بنظرية التفرقة الجنسية النازية ، فأصبح اليهود إبان الحكم النازي (1933-1945م) هدفا لمختلف أنواع التعذيب والقتل نتيجة لتآمرهم على ألمانيا ومحاولة تخريبها .

- إنجلترا تضطهد يهود :

وحظ يهود في بلاد الإنجليز البروتستانتينية لم يكن أحسن حالا منه في البلاد الكاثوليكية ، وخاصة في القرن السادس عشر ، ففي سكسونيا وقع أول إضطهاد بروتستانتي على يهود وكان ذلك عام 1536م ، حيث طرد أمير الإقليم يوحنا فردريك يهود من إقليمـه . وفي عام 1539م سمح لهم بعبـور سكسونيا فقط ثم ألـغي هذا الإذن عام 1543م ، وقد استنـد الأمـير في قرارته هذه على تعالـيم مارتـن لوثر .

ولقد كان يهود يعملون ضد المسيحية في أوروبا ، وكانوا يرجعون كل تصرف لهم وكل سلوك غير طبيعي تصطدم به مصالح المجتمع الذي يعيشون فيه إلى خصائص الجنس اليهودي وتعاليم الدين اليهودي وإرادة الإله لهم بأن يكونوا سادة على (الأممين) ولا سيادة لأحد عليهم . ومن هنا كان لا بد للفكر المسيحي الأوروبي من أن يقوم بعملية مجابهة سريعة أمام خطر سيطرة يهود ، وبدأ كثير من المفكرين الأوروبيين الذين إستطاعوا أن يروا مدى ما يتعرض له المسيحيون في أوروبا ، وكذلك المعتقد المسيحي بآدابه وتعاليمه ، من خطر السيطرة اليهودية والمسخ التعصبي فقاموا يكشفون عن الظروف والميادين التي عملت على إتاحة الفرص لكي يعبر اليهودي عن مطامعه ونزعاته وتعلقه بأساليب المضايقة وتقديم الربا الفاحش ثم سيطرته على حركة التطور الصناعي ، وإدارة الأعمال ، وكانت الصفوة من مفكري أوروبا ومؤرخيهم التي هبت تحاصر الخطر اليهودي هي تلك المجموعة من المفكرين التي قامت من فرنسا وألمانيا ثم استطاعت أن تؤثر بفكرها المستنير في كشف النقاب عن الخطر اليهودي أمام باقي شعوب أوروبا .

- فرنسا تضطهد يهود :
وفي بعض مراحل القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، أدى المفكرون الأوروبيون دورا نضاليا ضد السيطرة اليهودية على كل جوانب الحياة الأوروبية . ففي سنة 1845م ألف توسينال كتابا عنوانه (اليهود ملوك العصر ، تاريخ الإقطاع المالي) . وقد بين هذا الكتاب ما ظهر من فضائح مالية وإستغلال أناني للمالية الفرنسية في ذلك الوقت ، وما كان ليهود في ذلك من دور كبير ، وكيف أن يهود يقابلون بالإزدراء قوانين العدل وحقوق العاملين وذلك بما أخذ به يهود من أفكار التلمـود من جـواز إستغـلال غـير اليهـود . ونشر الكاتب الفرنسـي الكونـت غوبينو ( Gobineau ) في سنة 1854م بحثـا عنـوانه ( المسـاواة بين الأجناس البشرية ) ( Essai Sur linegalite des races humaines ) بين فيـه الفـرق بين الجنسـين الآري والسامي ، وقصد به أن يهاجم نشاط يهود السياسي . كما هاجم توسينال نشاطهم الاقتصادي المدمر . ثم جاء كـاتب ثالث فرنسـي فكتب سنة 1869م كتــابا عنـوانه ( اليهود واليهودية وتهديد الشعوب المسيحية ) . وصاحب هذا الكتـاب هو ( جينيوده موسو ) ، رجل من رجال الدين ، وقد حاول أن يبين خطر اليهود في ميدان الدين والثقافة . وقد أكد في كتابه أن اليهود لا يقيمون وزنا لأحد ، ولا يؤمنون بصحة ما يلتزمون به نحو غير اليهود من قسم أو يمين ، كما أن مصدر خطرهم يكمن في محاولتهم القضاء على الروحية في العالم المتدين وتفضيلهم المادة على الروح . وقد دفع هذا النشاط الأوروبيين إلى أن يبحثوا عن المؤلفات التي تساعدهم على فهم اليهود ، فأخذوا يقرأون كتابات العالم الألماني (أيزمجز) التي كتبها في القرن الثامن عشر عن تعاليم التلمود المعادية للبشر ، كما أخذوا يقرأون كتابات اليهود الذين تنصروا ، وفيها يكشفون النزعات الهدامة لبعض التعاليم اليهودية خاصة كتابات الأب ( جوزيف ليمان ) .

إذن إشتركت دول أوروبا جميعها في التعرض للخطر اليهودي الهدام . وفي مجتمع القرن التاسع عشر نرى أن رد الفعل يكاد يكون متشابها ، بل إنه أخذ يتبلور حتى رأيناه ينفجر في حركات شعبية ضد اليهود في ألمانيا وفرنسا والنمسا والمجر وبولندا ورومانيا وروسيا في أواخر القرن الماضي .

ففي ألمانيا نشر ( فيلهلم مار ) ( Marr ) وهو صحفي هامبورغ ، سنة 1873 رسالة صغيرة عنوانهــا ( انتصــار اليهودية على الجرمانيــة ) ، وقد لاحظ ( مار ) أن هذا الإنتصار إقتصادي في مظاهره ، إلا أنه وجد أن إختلاف يهود في الجنس هو الذي دفعهم إلى هذا الإنتصار بوسائل مالية ضالة منحرفة ، ورأى أن هذا السلوك يستتبع محاربة يهود وسلوكهم التخريبي . ولا شك في أن ( مار ) قد إعتمد في نظريته العنصرية على نظرية جرينو الفيلسوف السياسي الفرنسي . وقد هيأت الظروف سلسلة من الفضائح المالية في ألمانيا إشترك فيها يهود لجأوا لإستعمال هذا العداء العنصري ، حتى لقد أخذ به (بسمارك) في برنامجه السياسي سنة 1879م خاصة وأنه وجد خصومة عنيفة لسياسته الجمركية من حزب الأحرار الذي كان يتزعمه اليهوديان ( لاسكر وبامبرغر ) .

وسار بعد ذلك في ألمانيا العداء بين المسيحيين واليهود في عالم الفكر والسياسة جنبا إلى جنب . ففيلسوف ألمانيا السياسي ( تريتشكه ) ( Treitchke ) اخترع نظرية التعارض بين الآرية واليهودية ، ونشرها من كراسته في جامعة برلين ، وأوجد الجملة التي ذهبت مثــلا بين الألمــان :" أن اليهــود بلاؤنــا " ، كما سـاهــم الفيـلسوف ( نيتشـه ) في حركة تحتقـار اليهود في ألمانيـا . ولكن المرجع الكلاسيـكي عن نبـذ اليهـود كجـنس يتمثـل في كتـاب " أسس القـرن التـاسـع عشـر " ( Foundations of th 19th Century ) الذي كتبه عالم ألماني من مولد إنجليزي هو ( هوستون ستيوارت تشامبرلن ) سنـة 1898م . وقد حــل هذا الكتــاب مرجعــا إلى أن أخذ مكانــه كتــاب ( كفاحي ) الذي ألفه " هتلر " دستورا للحركة النازية .

ولم تكن هذه المؤلفات الفكرية عن السياسة الأوروبية لمناهضة يهود وأثرهم المفسد في الحضارة الصناعية البرجوازية ، أثناء القرن التاسع عشر إلا ينابيع لحركة المقاومة ضد اليهود في أوروبا سواء كانت حزبية أم شعبية ، فقد أصبحت مراجع لتبرير التكتل الأوروبي ضد الخطر اليهودي . وتنقلت الأفكار الأساسية عن ذلك الخطر على الجنس والسياسة والإقتصاد والدين بين دول أوروبا على مختلف أنظمتها الاجتماعية .

وقد إلتـقى فكر الإنجيـل الذي يحمــل يهـود ( اللعنـــة ) إلى يوم القيامــة بوصفهم ( قتلة المسيح ) ، حسب زعمهم ، مع التجربة العادية التي كان يحسها المواطن العادي في علاقته اليومية مع اليهود ، ولذلك ترجمت هذه الأفكار العدائية إلى منظمات سياسية ، ففي ألمانيـــا تكونت عصبة محاربة الساميــة تحت زعامة القسيس اللوثــري ( أدولف شتوكر ) الذي أسس إتحاد العمال الإشتراكي المسيحي ، وقد زاد حركة بغض يهود لهيبا وانتشارا بين جماهير الشعب أن ظهر زعيم شعبي في شخص ( هيرمان الفرت ) الذي إستطاع في سنة 1891م أن يرفع قضية قتل بعض يهود من أجل طقوسهم الدينية . وقد أدت القضية إلى زيادة النقمة والبغض على يهود .

ولم تتخلف فرنسا عن ركب المحاربين لنفوذ يهود الذي إمتد إلى جميع الميادين من سياسية وإقتصادية وإجتماعية . فحين تألمت برلين من سلوك يهود تألمت براغ وفيينا وكذلك باريس من سلوكهم ، وإن كان الفرنسيون قد وضعوا أصبع أوروبا على الداء الجديد بما أفهمهم كتابهم عن خطر يهود . فكان ( إدوراد ريمون ) الصحفي الباريسي البارع الأسلوب زعيم الكتاب الفرنسيين في هذا المجال أثناء العشرين عاما الأخيرة من القرن التاسع عشر إذ ألف كتاب ( فرنسا اليهودية ) الذي تدفقت من عشرات الآلاف نسخه كل شهر من مطابع باريس ، وتلقفته الأذهان تلقفا نادر المثال ، كما أنه أسس صحيفة ( القول الحر ) في سنة 1892م فأستطاع بكتابه وصحيفته أن يقدم غذاء حيا مثيرا لحملة سياسية قوية ضد يهود ، عدو أوروبا المشترك .

- النمسا والمجر تضطهدان يهود :

تعاون الكفر والسياسة في محاربة اليهود في ألمانيا ، وفي الإمبراطورية النمساوية المجرية ، ففي المجر كان للقسيس الكاثوليكي (روتبخ) أعمق الأثر في إزاحة الستار عما تشتمل عليه تعاليم يهود القديمة خاصة ما جاء فيها بالتلمود من دعوة إلى تدمير غير اليهود ، وقد ضمن هذه الأفكار كتابه (يهود التلمود) الذي نشره عام 1871م .

وما أن عين أستاذا للديانة الكاثوليكية في جامعة براغ حتى إنتشر ذكره وعمق أثره ، وتجاوبت تعاليمه مع الحركة السياسية المعادية ليهود في براغ . ولم يكن القسم النمساوي من الإمبراطورية بأهدأ حالا من الناحية السياسية ، إذ تيقظ الوطنيون في فيينا لما يمثله يهود في حياة الإمبراطورية من عوامل الفساد والإستغلال ، فوضعوا أسس الحركة المعادية ليهود وكان من أبرز قوادها الدكتور ( لوجز ) الذي بارك البابا حزبه سنة 1895 ، والذي أنتخب محاظا لمدينة فينا في العام نفسه ، ولكن الإمبراطور قاوم إنتخابه بأن رفض تعيينه في منصبه ولم يوافق على ذلك إلا بعد أن أعيد إنتخابه أربع مرات . وإصرار أهل فينا على إنتخاب الدكتور ( لوجز ) رغم معارضة الإمبراطور دليل القوة التي بلغها بين الشعب والزعماء الذين إستهدفوا محاربة يهود .

وجاءت الفضائح السياسية والمالية التي إشترك فيها ثلاثة من مشاهير اليهود المضاربين تؤكد بالفعل على ما ينادي به أمثال هؤلاء الزعماء ، وجاءت قضية الضابط اليهودي ( درايفوس ) الذي أتهم بأنه تآمر مع الألمان ونقل أسرارا حربية فرنسية إلى قيادتهم ، وقد أخذت هذه القضية دورا كبيرا في فرنسا ، وإزداد حقد النصارى على يهود .

- أوروبا الشرقية تضطهد يهود :

ولما كانت أوروبا تسيطر عليها النصرانية ، التي تلعن يهود ، في دولها الغربية والشرقية ، فقد وجدت صورة مشابهة لعداء اليهود في الغرب في دول أوروبا الشرقية . ففي رومانيا كان يهود يعملون كوسطاء ووكلاء للنبلاء الأستقراطيين . وقد زاد من أهميتهم أن الطبقة الوسطى كانت شبه معدومة ، وكان الفلاحون في حالة من البساطة والسذاجة مكنت من إستغلالهم بواسطة يهود ، فكرههم شعب رومانيا كرها عميقا ، لأنه رأى فيهم أصحاب السيطرة الحقيقية على مصائره المعيشية ، خاصة أنهم أضافوا إلى مقدرتهم على إستغلالهم ، باسم النبلاء إستغلالهم عن طريق المتاجر وإقراض المال بالربا الفاحش . ولقد زاد السخط بين شعب رومانيا مع الزمن على يهود وأنتهى سخطهم بثورة ضدهم .

وإن كان تاريخ يهـود في رومانيا قد حفـل بالحوادث أثناء القرن التاسع عشر ، إلا أن تاريخهم في روسيا القيصرية قد تجاوب في أحداثه وبعد أثره على نطاق إمتد في الزمان والمكان إمتدادا إتفق ومكانة روسيا وظروفها . ومن ثم كان من الطبيعي أن يكون تفاعل يهود مع الروس في جسامته وحدته متلائما مع ضخامة أعدادهم وخسائس أفعالهم ، وحاولت روسيا أن تحدد إقامتهم بأن تخصص لهم أقاليم لا يبرحونها إلى سواها دون إذن من السلطات العامة ، وقد إحتوت تلك الأقاليم على أكثر من نصف يهود في العالم . وقد استغل يهود روسيا بالإضافة إلى الربا وإقراض المال صناعة الخمور وبيعها ، بل إن تجارة الخمور أصبحت حكرا عليهم . ولذلك عاش الأهالي في دين مستمر لأصحاب الحانات اليهود . فأضيف إلى الحقد الذي نتج عن سوء سلوك يهود وإستغلالهم للشعب الروسي إلى ما تعلموه من المسيحية التي تدعوهم إلى كره يهود ولعنهم ، لأنهم صلبوا المسيح حسب زعمهم ، وكان الكره الروسي متجاوبا مع نشاط يهود العنيف في استغلالهم . ولقد أشيع عند إغتيال الإسكندر الثاني سنة 1881م أن ليهود يدا في ذلك . ولذلك قام الفلاحون وأهل المدن بهجوم كان القصد منه تدمير يهود للأخذ بالثأر لمليكهم المصلح في ربيع سنة 1881م . وتكرر الإعتداء في صيف العام نفسه ، وفي ربيع العام الذي تلاه .

وقد أصدرت الحكومة بعض القوانين المؤقتة لتنظيم إقامة يهود لقاء استفزازهم للشعب وهجوم الشعب عليهم من حين لآخر استجابة لعقيدتهم المسيحية ، واستجابة لسوء سلوك يهود الذين كتب الله عليهم المسكنة والذل فألهمهم الخطأ في السلوك لتضربهم الشعوب . وقضت هذه القوانين بعد إقامة مستوطنات جديدة أو شراء أملاك أو سلع خارج المدن ، كما أنها لم تسمح لهم بالعمل في أيام الآحاد والأعياد المسيحية .

ولقد إزداد يهود سخطا بهذه القوانين التي أطلق عليها ( قوانين مايو ) ، وأصابهم الذعر من المذابح المتكررة التي تلاحقت بهم حتى بلغت أقصاها في حوادث سنة 1905م . وقابلوا ذلك بالهجرة إلى أوروبا وأمريكا وبالحركات السرية في روسيا .

وقد حاول الغرب من أقصى اليمين إلى أقصى اليســار أن يسد بابه دون يهـود ، وأن يفتح أمامهم باب الشرق العربي . وما أن تفجرت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م حتى كان الغرب قد وصل إلى سياسة إغلاق الباب نهائيا في وجه المهاجرين من يهود ، لأن هؤلاء المهاجرين من روسيا إلى هذه البلاد الغربية لم ينسوا أن يصحبوا معهم ثقافتهم وطرق حياتهم الخاصة ، مما أثار شكوى الدول الأوروبية وإعلانها لرأيها عن تجربتها المؤلمة معهم . فهم لم يتخلوا عن نظريتهم المعادية للمجتمع المحيط بهم ، ولم يتخلوا عما تنطوي عليه نفوسهم من قسوة وضغائن . وظهر ذلك بطريقة عملية في مزاولتهم لأعمالهم العادية أثناء السلم ، وفي محاولة الهرب من الخدمة العسكرية عقب إندلاع الحرب العالمية الأولى في سنة 1914 ، ولم يراعوا المنافسة الحرة الكريمة في العمل ، فحاول العمال اليهود أن يعملوا بأجور منخفضة إنخفاضا يضر بمصالح العمال غير اليهود في بلدان أوروبا الغربية ، كما حاول المشتغلون منهم بالتجارة أن ينافسوا غيرهم من التجار بعرض سلع رخيصة والإكتفاء في أغلب الأوقات بنصف الأرباح المعتادة معتمدين في ذلك على ما تعودوه في مواطنهم الأصلية من إنحراف في التعامل والإلتواء في الوصول إلى مآربهم المادية .

وقد جاءت الحرب العالمية الأولى فكشفت عن هذا الإنحراف والإلتواء ، لأن أوقات الأزمات أقدر على إظهار جوهر الخلق والسلوك الإجتماعي من أوقات الهدوء العادي . وتجاوبت الشكوى في أوروبا وأمريكا من محاولات يهود الطارئين المعقدة في إخفاء أنفسهم وأشخاصهم عن نظر إدارات التجنيد الإجباري بالرغم من حصولهم على الجنسية في الدول التي إستوطنوها بعد الهجرة ، وكانوا يشوهون أعضاءهم الجسدية حتى يتهربوا من الجندية وحتى بعد التجنيد ، مما جعل الحلفاء الغربيين يرون في اليهود مثالا في عدم الولاء وإنكار الجميل ، مما أدى إلى تعاظم الحقد عليهم .

الولاء بين يهود والنصارى

من هذا السرد التاريخي للعداء اليهودي النصراني يتضح بما لا يدع مجالا للشك أنه لم يحدث ولاء بين يهود والنصارى عبر التاريخ ، وإنما حدث العكس من ذلك ، العداوة والبغضاء ويشير القرآن الكريم إلى ذلك ويقرر أن العداوة قائمة بين يهود والنصارى . ففي سورة الصف ، يقول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) [الصف : 14] ، والذين آمنوا هم الذين أصبحوا (نصارى) ، والذي كفروا هم الذين استمروا على يهوديتهم .

وتقرر الآية أنهم منذ ذلك الحين أصبحوا أعداء ، وأن الله سبحانه وتعالى قد أيد النصـارى على يهـود فأصبحوا ظاهرين عليهم مسلطـين . وكـذلك يقـول تعـالى ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب ) [ البقرة : 113 ] .

ولكننا نجد أن الآية [ 50 ] وما بعدها من سورة المائدة تقرر أن هناك ولاء بين يهود والنصارى ، وتحذرنا من أن نتخذ يهود والنصارى أولياء ، فكيف يمكن التوفيق بين الذي جاءت به آيات القرآن والتي تقرر العداوة بين يهود والنصارى ، وكذلك الواقع التاريخي الذي بين هذه العداوة المستمرة بين يهود والنصارى ، وبين الـولاء الذي تتحـدث عنـه الآيات [ 50 ] وما بعدها من سورة المائدة والتي يقول الله فيها ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهولاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين آمنــوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقــوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافـون لومـة لائم ذلك فضل الله يؤتيــه من يشاء والله واسع علـيم * إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنـوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعــون * ومن يتـول الله ورسوله والذين آمنــوا فإن حزب الله هم الغالبـون) [المائدة : 51-56] .

فالقرآن يتحدث في هذه الآيات عن ولاء وتناصر بين يهود والنصارى . والآيـة [ 113 ] التي أشرنا إليهـا من سورة البقرة ، والآية [ 14 ] من سورة الصف ، تحدثنا عن خلاف وعداء بين يهود والنصارى ، والواقع التاريخي الذي سردنا قسما منه يؤكد هذه العداوة والبغضاء بين يهود والنصارى . وهذا في ظاهره تناقض ، ومعاذ الله أن يتناقض كتاب الله ، إذن لا بد أن آيات المائدة التي نحن بصدد تفسيرها ، تتحدث عن فترة زمنية آتية بعد نزول الآيات .

فهي لا تصف واقعا في حال نزولها ، إذ لم يكن في حين نزولها ولاء بين يهود والنصارى في جزيرة العرب ، أو في أي بقعة من بقاع العالم ، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) حين نقض يهود العهد في المدينة قاتلهم منفردين في المدينة وفي خيبر وتيماء ، ولم يحدث لهم مساعدة وتناصر وموالاة من النصارى ، إذ لم يكن في المدينة وما حولها نصارى ، وكذلك لم يكن في مكة يهود ولا نصارى .

ولما اقتضى أن تحمل الدعوة إلى خارج الجزيرة ، خرج جيش المسلمين فقاتل النصارى في ديار الشام لأول مرة في معركة مؤتة ولم يشترك يهود في المعركة . إذن هذه الآيات هي من آيات الغيب التي تتحدث عن فترة زمنية قادمة يتعاون فيها اليهود والنصارى ، ويوالي بعضهم بعضا للتآمر على المسلمين . وهذه الآيات التي أخـبرت عن مستقبل آت هي من قبيل قوله تعـالى في (سـورة الروم) بسم الله الرحمن الرحيم (الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [الروم :1-6] . وهي من قبيل قوله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما إستخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركـون بي شيئـا ومن كفر بعد ذلك فأؤلئـك هم الفاسقون) [النور : 55] .

وبالفعـل انتصرت الروم بعد فترة وجيزة على الفرس كما وعد الله في كتابه ، وبالفعل حقق الله وعده للمؤمنين فأصبحوا خلفاء الأرض يعمرونها ، وأصبح دينهم هو الدين المسيطر ، وأصبحوا يعيشون في آمن وطمأنينة في بلادهم وفي كل بلد دخلها الإسلام . وإلى غير ذلك من الآيات المستقبلية الكثيرة في القرآن .

القرآن يتحدث عن المستقبل

ولما كان القرآن هو كتاب الله الخالد إلى يوم القيامة ، ويتحدث عن مسيرة البشرية إلى أن تلقى ربها ، فمن البديهي أن يشير إلى الأحداث الكبرى في صراع المسلمين مع أعدائهم من يهود ونصارى ، وكم من الآيات التي نقرأها اليوم فنقف أمامها خاشعين لأنها ترسم صورة المجتمع الذي نعيشه ، كقوله تعالى ( قل هو القـادر على أن يبعـث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) [ الأنعام : 65 ]. أليست هذه الآية واحدة من الآيات التي ترسم صورة ما عانته الأمة وما تعانيه من فئات متباينة وأحزاب متلاعنة وحروب محلية وإستعمال للطائرات والقنابل والألغام والمدافع بين الفئات المتحاربة من الأمة الواحدة . هذه الأسلحة الحديثة (من فوقكم أو من تحت أرجلكم) لم تكن معروفة وقت نزول هذه الآية ، وهذا يدل على أن هذا القرآن هو معجزة الله الخالدة ينبه الأمة لأن تسير طريقها السوي وتمشي صراطها المستقيم ، وإلا حل بها عذاب في دنياهم مصداقا لقوله تعالى (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون) [السجدة : 21] . وحينما نقرأ آية أخرى من هذه الآيات التي تتحدث عن فترات زمنية قادمة بعد نزولها تمرض فيها الأمة مرضا ماديا ، فتنصرف إلى التمتع بالملذات والجري وراء الشهوات والإنغمـاس في الرذائل ، وذلك نتيجة إنصرافها عن عبـادة الله وعن الجهـاد والذكـر ، وكيف أن ذلك سيؤدي بها إلى الهلاك والدمار ، لأن الترف دائما يمزق الأمم ويهـدم الحضــارات ، لأنه يفقد الأمة صلابتها ويقتل روح التحـدي فيها فتستريح من تعب الجهــاد وتنـام مسترخيــة فيـدب في جسـدها التفسخ ، وذلك حينمــا تعرض عن الجهاد وعبــادة الله التي خلقـت من أجله . يقول تعالى (فلمــا نسوا ما ذكروا به فتحنــا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحـوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ملبسون * فقطع دابــر القــوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الأنعام : 44-45] .

أرأيت الصورة الإعجازية الربانية كيف ترسم الواقع الذي تعيشه البشرية الآن التي أعرضت عن الله ، فلم تتوقف بينها الحروب المدمرة . ففي هذا القرن وقعت حربان عالميتان أصابت شرورهما الإنسانية جمعاء . وفي هذا القرن إندلعت كثير من الحروب المحلية المحدودة التي دمرت البلدان التي إشتركت فيها . وفي هذا القرن حيث أعرضت الإنسانية عن ربها نهائيا ، كثرت الزلازل والفيضانات وحوادث الصقيع والجليد التي يعطي الله بها الإنذارات للبشرية علها تعقل . ألم تر إلى نيويورك وهي أكبر عاصمة مادية في الكرة الأرضية ، كيف نهبت في ليلة واحدة حينما سادها الظلام نتيجة لإنقطاع التيار الكهربائي قبل بضع سنين .

والقوتان العظميان تحشدان الأسلحة النووية الفتاكة ، والأسلحة الجرثومية ، وتتفننان في إختراع ما يؤدي إلى هلاك البشرية ، وهما في نفس الوقت يدعوان إلى الإلحاد وينشران الفساد ، فأعرضت البشرية تحت توجيههما عن ذكر الله . فهل يحدث خطأ مقصود أو غير مقصود فتخرج هذه الأسلحة المخزونة من عقالها لتدمر البشرية ؟؟ .

ونحن في العالم الإسلامي بدأنا نلحق بالبشرية الضالة ، نلهث وراء الموضة ونقلد بوعي وبدون وعي ، نأكل ما يأكل الكفار ، ونلبس ما يلبسون ، ونشرب ما يشربون من حلال أو حرام ، وأخذنا ننصرف عن الوحي ، عن القرآن والسنة ، وفي هذه الحقبة الزمنية فتح الله على البشرية أبواب كل شيء بحيث أصبحت حياة سهلة ميسورة لا مشقة فيها ولا عنت . الطعام يأكله الإنسان شبه مهضوم ، واللباس يشتريه مخيطا ، وكل يوم لباس جديد وموضة جديدة . وجاءت السيارات وتبعتها الطائرات وتطورت وسائل المواصلات حتى صغرت الكرة الأرضية ، وأصبحت في متنـاول الإنسان يرتادها في يومين أو ثلاثة أو في يوم أو في بضع يوم . وجاءت الكهرباء ومشتقاتها : آلة تطبخ وأخرى تغسل ، وثالثة تنظف ، ورابعة تكوي ، وخامسة وسادسة إلى ما لا يعد ولا يحصى . وتفنن الناس في بناء القصور وزخرفتها ، وأصبح الديكور في البيوت يكلف أكثر من البيت نفسه ، ورأينا في عواصمنا نحن المسلمين بيوتا تبنى يسكن فيها زوجان يكفي ثمن الواحد منها لإطعام قرية جائعة . وأصبح التفاخر بالأثاث الفاخر والديكور وبرك السباحة مجالا للفرح والتيه . فهل رأيت كيف تصف هذه الآية الأمة من القرآن الكريم الواقع الذي نحياه الآن . وأن هذا الترف اللامعقول واللامقبول سيؤدي إلى تدمير الحضارة الغربية بوجهيها ( الإشتراكي ) والرأسمالي ، وها هو الوجه الشيوعي للحضارة الغربية قد إنتهى ، والوجه الرأسمالي للحضارة الغربية في طريقه إلى الزوال . وإننا نحن في المنطقة الإسلامية ونحن في معركة مع عدونا ، وهي معركة بقاء أو فناء ، كيف نستسيغ لأنفسنا العيش في هذا الترف القاتل وبناء هذه القصور . وإن بعض الأحياء السكنية في بعض العواصم العربية فيها من القصور والديكور والتفنن المعماري ما لا يكاد يوصف ، مع أنها في كل لحظة تحت رحمة صواريخ العدو وطائراته بل ومدفعيته . والله يهددنا إن لم نتعظ فإنه سوف يأخذ هذا الترف كله ويفنيه ، ونعيش بعدها مبلسين في يأس وقنوط .

ولقد حقق الله المثل الذي ضربه في القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان . وتتمثل هذه الصورة اليوم في بيروت التي كانت مثالا للحياة المتفسخة ، لا تنام الليل ، وتلهث في النهار ، إنهارت فيها القيم وإختلط الحابل بالنابل ، والنجاسة بالطهر ، والكفر بالإيمان ، والعهر بالإستقامة ، الرجولة بالميوعة ، حتى لم تعد تميز بين خير وشر وحلال وحرام ، ولا تعرف المسلم من غير المسلم ، يلهث وراء اللذة ، ويشبع جوع المعدة وجوع الجنس بأي وسيلة ، وكيفما أتفق .

وفجأة إذ ببيروت تعيش الخوف والجوع ، ويهلكها العهر ويمحقها الربا ، فكل تجارة بيروت وعماراتها وأسواقها قائمة على الربا ، ولكن القرآن قرر أن الربا مآله المحق ، فأجتمع في بيروت الترف والكفر والربا ، وكلها عوامل الدمار لأي مدينة في الأرض .. وقد حدث ذلك في الخليج وفي ( الكويت ) خاصة . ولنتدبر الآيات المعجزات :

(وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) [الإسراء : 16] . قال تعالى (يمحق الله الربا ويربي الصدقات واللــه لا يحب كل كفار أثيم ) [البقرة : 276] . قال تعالى (وضــرب الله مثـلا قريـة كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لبـاس الجـوع والخـوف بما كانــوا يصنعــون) [البقرة : 112] .

ولسائل أن يسأل : هل بيروت وحدها التي أسرفت وكفرت ورابت ؟ والجواب هو : أن عواصم الغرب الكبرى دمرت في خلال هذا القرن مرتين ، مرة في الحرب العالمية الأولى ، والأخرى في الحرب العالمية الثانية ، ولا ندري هل سيبقى منها أثر في الحرب العالمية المقبلة أم لا ؟! وبهذا يتبين أن آيات القرآن المتعلقة بمسيرة البشرية لا يصح أن تفسر تفسيرا تاريخيا فقط ، كآيات الإسراء المتعلقة ببني إسرائيل وبعلوهم وفسادهم ، وقد بينت في تفسيرها أن المرتين بعد نزول القرأن وليس قبله .

وبهذا السرد للآيات القرآنية التي تتحدث عن المستقبل ، أردت أن أوضح أن معنى آيات المائدة في الموالاة بين يهود والنصارى هو مستقبلي ، تتحدث عن المستقبل في علاقات المسلمين مع يهود والنصارى . وأن تآمر يهود والنصارى مجتمعين على المسلمين وأرض الإسلام والأرض المباركة هو بعض ما جاء به القرآن الكريم .

تحقق الموالاة بين يهود والنصارى
في بداية القرن العشرين

ونعود إلى الآية وتفسيرها ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) [ المائدة : 51 ] . وقد بينا آنفا أنه لم تحدث موالاة بين يهـود والنصـارى منذ أن جاء عيسى عليه السلام بالنصرانية إلى بداية القرن العشرين ، وأن العداء بينهم هو دين الطرفين ، ولكن فجأة تحدث المــوالاة والتناصر بينهم ، وينسون الأحقــاد التي كانت العلامــة المميزة للعلاقات بينهم . فقد تعـاونوا في أول القرن على عزل السلطان المظلوم عبد الحميد ، حين رفض أن يعطي يهود إمتيازات في فلسطين ، وكان يهود في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقدوه في مدينة ( بال ) بسويسرا سنة 1897م قد اتخذوا قرارا بالإستيطان في فلسطين التي كانت جزءا من الدولة الإسلامية العثمانية ، وذهبت رسلهم إلى مقابلـة السلطان في إسطنبول ، ومن الذين ذهبوا لمقابلة السلطان : اليهودي ( قارصو أفندي ) ، ورئيس المؤتمر الصهيوني ( ثيودور هرتزل ) . وقد عرض هؤلاء على السلطان في بادىء الأمر أن يسدد يهود ديون الدولة العثمانية ، وأن يخصوا السلطان بخمسة ملايين ليرة عثمانية ذهبا . ولكن السلطان الذي كان على وعي تام بمخططات الكفار ضد بلاد المسلمين وكان يحذر الواعين من الأمة من هذا التآمر رفض العرض .

وظن يهود أن الأمر يتعلق بقلة المبالغ التي عرضوها فأخذوا يرفعون الرشوة حتى بلغت الآتي :

تسديد ديون الدولة العثمانية ، وتعمير الأسطول العثماني ، ومبلغ مائة وخمسين مليون ليرة ذهبا للسلطان شخصيا . ولكن السلطان المسلم أخبرهم بأن حفنة من تراب الأرض المقدسة تساوي أموال يهود التي في الدنيا . فقرر يهود أن يتخلصوا منه ، فتعاونت المحافل الماسونية مع الحركة القومية الطورانية ويهود الدونمة ( الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ) مع النصارى ، وتم عزل السلطان سنة 1909م ، ونفي إلى سالونيك في اليونان وأهين وعذب وشوهت سمعته ، ولقد وصل الأمر بهم أن جعلوا السلطان عبد الحميد رمزا للتأخر وللحاكم الجائر . . ولكن كل ذلك إلى حين ، حيث بدأت تنكشف الحقائق وأنه كان - رحمه الله - من أخلص حكام المسلمين .

وكان يهود قد تعاونوا مع الإنجليز في أثناء الحرب ، وكان ( وايزمان ) اليهـودي عالما كيمــاويا ، فأستغل مخـترعاته في أثنــاء الحرب ، وكذلـك البيوتات الماليـة اليهـودية ، مثل روتشيلد ، إستغلت حاجة بريطانيــا لمخترعاته وأموالهم . وكانت بريطانيــا لا تزال العدو الأول للمسلمين ، فأعطت يهـود ( وعد بلفور ) في 2 / نوفمبر / 1917م ، وكان ذلك أثناء الحرب بإتفاق مع أمريكا ، وينص الوعد على إنشاء وطن قومي ليهود في فلسطين ، وكان هذا أول تعاون بارز بين بريطانيا النصرانية ويهود .

وبعد الحرب العالمية الأولى أنشئت عصبة الأمم المتحدة ، وفي سنة 1922م أعطت حق الإنتداب لبريطانيا النصرانية على فلسطين لتضع البلاد إقتصاديا وثقافيا وعمرانيا وسياسيا في وضع يتحقق منه إنشاء الوطن القومي اليهودي . وبالفعل قامت بريطانيا النصرانية بهذا الأمر شر قيام . فعينت أول مندوب سام لها في فلسطين من يهود وهو ( هربرت صمويل ) .

استمر هربرت صمويل مندوبا ساميا في فلسطين لمدة ست سنوات ، وضع فلسطين خلالها في وضع يساعد على إنشاء الوطن القومي ليهود ، فسن قوانين إباحة الهجرة اليهودية ، وتغاضى عن الهجرة اليهودية ( غير الشرعية ) ، وفرض ضرائب باهظة على الأرض حتى يضطر الفلاح العربي المسلم إلى بيعها ، وأباح إستيراد القمح من استراليا وبيعه بأرخص من القمح الذي تنتجه أرض فلسطين ، وحتى لا تقوم الأرض بتكاليفها وتكاليف معيشة الفلاح . ومع هذا فإن هذه السياسة لم تنجح في أن يبيع أهل فلسطين أرضهم وبقوا متشبثين بها ، بالرغم مما يقوله أعوان اليهود وسماسرة الحكام من أمثال المدعو : أنيس منصور رئيس تحرير مجلة ( إكتوبر ) المصرية الذي قال بكل وقاحة :" إن اليهود اشتروا فلسطين شبرا شبرا " ، حتى يبرر لسيده أنور السادات المرتد ، مناداته ببقاء دولة اليهود في فلسطين . والواقع هو أن يهود كانوا يملكون من أرض فلسطين 2% سنة 1918م وحتى 1948م كان مجموع ما يملكه يهود من فلسطين 5.8% حسب إحصائية الأمم المتحدة . ولم يكن الـ 5.8% بيعا من أهل فلسطين ، وإنما كان من الأراضي التي تملكها الدولة وأعطتها بريطانيا النصرانية ليهود ، وبعض العائلات الإقطاعية التي كانت تمتلك قسما كبيرا من شمال فلسطين ، وكانت تقيم في لبنان ، ومنها عائلة سرسق ( نصارى ) وعائلة سلام ( مسلمة ) باعت أراضيها ليهود .

مقاومة الشعب الفلسطيني

وأخذ الشعب في فلسطين يقاوم سياسة التهويد ، ويتشبث بأرضه ، فقام بالثورات المتلاحقة فكانت ثورة سنة 1920م ، وثورة سنة 1929م حينما إدعى يهود ملكيتهم لحائط البراق وأنه من بقايا هيكل سليمان ، ثم ثورة سنة 1933م ، ثم الثورة الكبرى من عام 1936م إلى 1939م ، حيث قام الشعب كله يصارع بريطانيا ويهود ويضرب المثل للدنيا في التضحية والفداء ، وقدم آلاف الشهداء وتعرض للتعذيب في السجون والمعتقلات ، وعاش الناس في إرهاب ولكن روح التحدي فيهم كانت عالية لم تستطع بريطانيا إقتلاعها أو تدميرها بالرغم من بطشها . وفي هذه الأثناء أنشأت بريطانيا جيشا ليهود ، أخذت تدربه وتسلحه باسم حرس المستعمرات (الهاغاناه) . وكان هذا الحرس هو النواة الحقيقية لجيش دولة يهود فيما بعد . وكل رؤساء الأركان فيما يسمى بجيش الدفاع اليهودي منذ سنة 1948م هم من ضباط هذا الفريق اليهودي مثل ديان ، وآلون ، ويادين .. وغيرهم .

وهكذا عملت بريطانيا النصرانية على إعطاء يهود كل ما يريدون وأكثر مما يريدون ، وأسست لهم دولة في أرض الإسلام ، واستمر التعاون بين يهود والنصارى في هذا القرن ، فأصدرت هيئة الأمم المتحدة النصرانية وريثة عصبة الأمم والتي أسسها الحلفاء المنتصرين لتقسيم مناطق النفوذ فيما بينهم قرارا بإنشاء دولة يهود في فلسطين عام 1947م .

وتسابقت الدول النصرانية الكبرى على الإعتراف بهذه الدويلة ، فتفتخر أمريكا النصرانية وريثة بريطانيا النصرانية في عداء المسلمين بأنها أول من إعترف بهـذه الدولـة بعد إنشائهـا بإحدى عشر دقيقة ، وكانت روسيا الدولة الثانية ، ونالت ( الفخر ) بهذا الإعتراف السريع ، مع أن هذا الإعتراف يخالف مبدأها الشيوعي الذي تقوم عليه وهو ( الأممية ) ومحاربة ( العنصرية ) كما يزعمون . إلا أن العداء للإسلام جمع بين أطراف الكفر المتناقض الذي هو كقطعة العملة الواحدة ذات الوجهين .

وتوالت إعترافات الدول النصرانية بدولة يهود . وبعد ذلك أخذت الدول النصرانية تلهو بالمسلمين وبحكامهم ، فتصدر قرارات في هيئة الأمم المتحدة تبين حقـوق الفلسطينيين بأرضهم وتطالب بعودتهم وبتنفيذ قـرارات التقسيم . والحكام الذين والوا يهود والنصارى ، والذين هم من صناعة يهود والنصارى ، أعجبتهم اللعبة والعبث الذي يجري بهم وبأمتهم ، فكلما اجتمع حاكم إلى حاكم أصدرا بيانا يطالبان فيه بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين والتي أصبحت لا تعد ولا تحصى .

واستمر التعاون بين يهود والنصارى حتى كان العدوان الثلاثي على مصر المسلمة حيث اشتركت جيوش نصرانية (فرنسية وبريطانية) مع جيش يهودي في الهجوم على مصر سنة 1956م وهذا لأول مرة في التاريخ حيث اشتركت جيوش نصرانية ويهودية في حرب المسلمين .

وفي الستينات من هذا القرن بلغ التعاون ذروته بإعلان البابا تبرئة يهود من دم المسيح -حسب زعمهم- حتى لا يتأثر النصارى المتدينون حينما تسقط مقدساتهم في أيدي يهود الذين صلبوا المسيح - حسب زعمهم - وبلغ الأمر ذروته بتعاون الكثير من نصارى لبنان (خاصة الموارنة منهم) بكل وضوح وبكل وقاحة مع يهود حيث يقاتلون المسلمين في خندق واحد .

ومن العجيب الغريب أن دولة لبنان النصرانية بقيت فترة طويلة تقوم بدفع مرتبات جنود الخائن (سعد حداد) ومن بعده (أنطوان لحد) بالرغم من تعاونهم العلني مع يهود . وهذه الأموال من دافعي الضريبة المسلمين ، ومن مساعدات دول أوروبا -التي سكانها مسلمون- فكيف حدث هذا ؟! أو كيف يحدث هذا ؟! إنه الكفر وأعوانه يفعلون ما يريدون .

وأما ما قاله الطبري وغيره من المفسرين في قوله تعالى ( بعضهم أولياء بعض ) ، فإنه علل ذلك بأن يهود أنصار بعضهم البعض يد واحدة على عدوهم ، وأن النصارى كذلك . وهذا القول مردود بالقرآن وبالواقع التاريخي لأن القرآن يقرر أن النصارى مختلفون إلى يوم القيامة وبينهم العداوة والبغضاء ، فلا يمكن أن يكونوا يدا واحدة لأن الله تعالى يقول ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العدواة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينئهم الله بما كانوا يصنعون ) [ المائدة : 14 ] .

ولذلك ، منذ أن أنقسم النصارى إلى طوائف ، والعداوة قائمة بينهم على أشدها ، فالكنيسة الشرقية ( الأرثوذكس ) التي مقرها إسطنبول ، لا تعترف بالكنيسة الغربية ( الكاثوليك أو اللاتين ) التي مقرها روما ، وبابا روما لا يعترف ببابا إسطنبول . وقد إنقسمت الكنيسة الغربية ، وأنفصلت عنها حركة التجديد الديني ( البروتستانتينية ) التي تزعمها ( مارتن لوثر ) ، والتي تتمثل في الكنيستين الإنجليزية وأكثر الألمانية وأكثر الأمريكان . فلا يعترف البروتستانت بالبابا ، ولا يعترف البابا بالبروتستانت ، فهو يعتبرهم خارجين عن الكنيسة ( هراطقة ) لأنهم لا يؤمنون بالتماثيل والصور ، وهم بالمقابل يعتبرونه ( مرتدا ) . والصراع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك في إيرلندا الشمالية القائم على أساس ديني والذي لم يهدأ منذ سنوات طويلة يعطي صورة واضحة عن عداوة النصارى بعضهم مع بعض ، والحروب بين دول أوروبا النصرانية لم تتوقف عبر التاريخ ، فما من دولة أوروبية إلا وحاربت جارتها النصارنية ، وكثيرا ما كان العامل الديني المذهبي هو المحرك في هذه الحروب .

ويهود كذلك ليس بعضهم أولياء بعض بنص القرآن الكريم ، فكما أوقع الله العداوة بين النصارى بعضهم مع بعض ، أوقع العداوة بين يهود بعضهم مع بعض وإلى يوم القيامة . قال الله تعالى ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مسبوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيــانا وكفرا وألقينــا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين) [المائدة : 64] . ويقول الله تعالى (لا يقاتلونكم جميعــا إلا في قرى محصنة أو من وراء جــدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جيمعــا وقلوبهم شتى ذلك بأنهــم قــوم لا يعقلــون) [الحشر : 14] .

والمتتبع لأحوال يهود في الأرض المغتصبة يجد مدى إنطباق هذه الآية وصدقها على المجتمع اليهودي في فلسطين . فالأحزاب اليهودية حوالي ثلاثين حزبا من أقصى اليسار الشيوعي المتطرف الملحد إلى أقصى اليمين الصهيوني المتحجر . والأحزاب تتناحر بعنف . والمجتمع اليهودي مجتمع عنصري طبقي مخيف . فالحياة الرغيدة هي ليهود أوروبا ، وخصوصا الذين هم من أوروبا الشرقية مثل روسيا وبولندا. هؤلاء هم أصحاب السلطة في الدولة . فكل الزعماء الذين أقاموا دولة يهود وحكموها تقريبا منهم ، من أمثال : غولدا مائير ، وبن غوريون ، وشرتوك ، وآلون ، وديان ، وبيغن . وهؤلاء أعطوا الإمتيازات لأنفسهم ولبقية اليهود الذين جاءوا إلى فلسطين من أوروبا وأمريكا ، أما يهود الشرق الذين ليسوا من دول أوروبا أوأمريكا فهم مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة ، فهم وقود الحرب ويعيشون في أدنى درجات السلم الاجتماعي .

الفئة التي والت اليهود والنصارى وأصلها مؤمن

وتتحدث الآيـة محذرة المؤمنـين من أن يوالوا يهــود والنصارى ، وقد قـال أبو جعـفر الطبري في تفسير قوله تعالى (ومن يتـولهم منكم فإنه منهم) [المائدة :51] : "ومن يتول يهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم ، فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم ، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه مؤمن وما هو عليه راض ، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه كحكم من تولاه " .

وبالفعل حينما بدأت الموالاة بين يهود والنصارى ، تمهيدا لإقامة دولة يهود في أول هذا القرن ، كان يهود والنصارى قد مهدوا الطريق لهذا الأمر بإنشاء الجمعيات والنوادي ، وقد أدخلوا فيها بادىء الأمر أبناء النصارى ويهود فقط ، ولكن ذلك لم يؤد إلى الغرض المقصود إذ أنهم يستهدفون الإسلام والمسلمين ، فأدخلوا أبناء المسلمين في تلك والنوادي فيما بعد . وكانت الدولة العثمانية (دولة الخلافة) قد أصبحت الرجل المريض ، وأنشأوا المدارس الغربية في ديار المسلمين ونشروا الثقافة الغربية ، وبلغ هذا الأمر ذروته بإنشاء الجامعة الأمريكية في بيروت، هذه الجامعة التي خرجت كثيرا من الساسة وحكام العرب الذين ساهموا في قيام ما يسمى دولة إسرائيل فيما بعد . وقد ذهب نفر من أبناء الأثرياء من المسلمين لتلقي العلم في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، ورجعوا من الغرب مفصولين عن فكرهم الأصيل ، وبدأوا يدعون إلى القوميات ويعادون الإسلام الذي لا يميز بين بني البشر إلا بالتقوى . وبدأ الغرب الصليبي المتعاون مع يهود ينشىء جمعيات لهؤلاء الشباب القومي كجمعية الإتحاد والترقي في تركيا لأبناء الأتراك ، وجمعية العهد لأبناء العرب وكان مقرها باريس .

وتعاون دعاة القومية مع يهود والنصارى على هدم دولة الخلافة : الأتراك يدعون إلى القومية الطورانية وفرضها على الشعوب التي تتكون منها الدولة الإسلامية ، والعرب يدعون إلى القومية العربية العلمانية والتخلص من حكم الدولة العثمانية . وكان السلطان عبد الحميد قد فهم اللعبة ، فقاوم ما وسعته المقاومة ، وكان قد ورث الدولة العثمانية وهي شبه منهارة ، ولكنه استمر يناور دول الغرب ثلاثين عاما حتى إستطاعوا أن يتغلبوا عليه في النهاية ، فعزل عام 1909م ، وكان عزله تمهيدا لقيام دولة يهود في فلسطين . وقد تعاون القوميون على عزله واستلموا الحكم وكان السلطان الذي خلف عبدالحميد ألعوبة بين أيديهم وأرادوا تتريك الشعوب الإسلامية فجعلوا لغـة التدريس في المدارس اللغـة التركيـة مما عجل بالقضاء على الدولة الإسلامية العثمانية ، وكانت ( الثورة العربية الكبرى ) التي قامت لتخليص العرب من الدولة العثمانية بتخطيط من الإنجليز . ثم جاء أتاتورك الذي حاول هو وخلفاؤه من بعده أن ينزعوا تركيا من الإسلام ، أو بالأحرى أن ينزعوا الإسلام من تركيا ! . ولكن الشعب التركي المسلم بدأ يعود متمسكا بدينه ، وقد فشلت مخططات تكفيره . ثم جاءت الحركات القومية الثورية ، والأحزاب الإشتراكية ، والماسونية . وكلهم تعاونوا مع يهود والنصارى بشكل أو بآخر ، وكلهم ساهم في قيام دولة يهود فأبعد الإسلام عن الساحة نهائيا . وذلك لأن دولة يهود نجسة لا يمكن أن تقوم في أرض طاهرة يحكمهـا الإسلام ، فلا بد من حكومات نجسة فكريا حتى تقوم دولة ليهود من خلالهـا ، فكان الفكـر الذي سيطر على الأرض الإسلاميـة فكـرا أباح الزنا ودواعيـه ، وأباح الخمر وشجع عليه ، وأباح القمار وأنشأ له نواد ، وأباح الربا وأسس له مؤسسـات ضخمـة تأكل أمـوال الناس بالباطـل ، وحـورب الإسلام ورجال الإسلام حربا لا هـوادة فيهـا ، فجعلوا من الإسلام عنوانا للتخلف الحضـاري والتخلف العقلي . وصدق الله العظيم حين قال (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا إنقلبوا إلى أهلهم إنقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالـون * وما أرسلوا عليهم حافظـين) [المطففين :29-33] .

ومن ضمن الخطة التي وضعت لمحاربة الإسلام ، وحتى تقوم دولة يهود ، حورب علماء الإسلام في أرزاقهم ، وأصبح ينظر إليهم على أنهم طبقة (غير منتجة) ماديا ، وأنهم عالة على مجتمعهم ، ونتج عن هذا مزيد من التفكك في المجتمع مزيد من التآكل في الأسرة ، ومزيد من الميوعة ، وانقلب ميزان الفضـائل ، فأصبح التقـدم يعني الإنحلال ، وأصبح الرقي يعني الثـورة على الفضيـلة ، وأصبح الكرم يعني أن تكرم بعرضـك ، وأبعد كل ما له علاقة بالإسلام عن الساحة ، حتى أن الكلمات التي لها علاقة بالإسلام منع إستعمالها في المعركة فكلمـة (الجهاد) مثلا استبدل بها (الكفـاح والنضـال) ، وكلمة (الكفار) استبدل بها (الاستعمار) ، وكلمة (اليهودية) استبدلت بها (الصهيونية) حتى تطمس الإصطلاحات الإسلامية والإسلام نهائيا . وبدلا من أن يكون الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين أصبح الولاء للقائد والحاكم والحزب وللكفر والكفار . والإسلام ربى المسلمين على أن يكون ولاؤهم لله ولرسوله (صلى الله عليه وسلم) ، ولكنه منعهم من أن يربطوا الإسلام بشخصه الكريم ، ولذلك حين خرجت الإشاعات في غزوة أحد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد قتل ، أصاب الوهن نفوس بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- ، واعتقدوا أن الإسلام قد انتهى بموت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فأنزل الله مؤدبا للمؤمنين ومعلما لهم ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) [آل عمران : 144] .

وهكذا ركز القرآن الكريم في آيات عديدة على بشرية محمد (صلى الله عليه وسلم) ، ويقول تعالى مؤكدا على بشرية نبيه خوفا من أن يؤلهه الناس (قل إنما أنا بشــر مثلكـم يوحـى إلي أنما إلهكم إلـه واحد) [الكهف : 110] . ويقـول الرسـول ( صلى الله عليه وسلم ) :" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنمـا أنا عبد الله ورسولـه " . وكان الرجل يدخل على مجلس النبي (صلى الله عليه وسلم) فيسأل : "أيكم محمد؟ " حيث كان لا يتمـيز عن أصحابه بلباس أو مجلس .

ولكننا رأينا في زمننا هذا أن الزعيم مقدس ، وأن الحاكم لا يخطىء ، فمؤسس الحزب ينظر له بقداسة . ولقد إستغل بعض الساسة والزعماء هذا الأمر ، فأخذوا يستهزئون بالشعوب ، ويتلاعبون بالعقول ، والناس تلهث وراءهم تصفق بأيديها وتهتف بحناجرها ، وعقولها في إجازة ! والزعيم يلعب بالعواطف ، يجعل الأبيض أسود ، والأسود أبيض ، ثم يعود البياض إلى بياضه ، ويعود السواد إلى سواده هو هو لم يتغير . فبطل الأمس خائن اليوم ، وفجأة تقضي مصلحة الزعيم أن يعود هذا البطل إلى خيانته ، ثم يعود مرة أخرى إلى بطولته ، والجماهير تتبع رأي الزعيم لا تسأله لم غير ؟ ولم بدل ؟ إنه أمن ولاءها بعد أن أفقدها وعيها . وهكذا ساق أصحاب الشعارات المتجردين من الإسلام الأمة إلى الهزائم المتلاحقة والنكبات المتتابعة بعد أن رضوا أن يكونوا حكاما على الدويلات الممزقة والتي صغر بعض منها فأصبح على مستوى الحارة . وإن تلك الدويلات لها أعلام وسفارات وسلام رسمي ، وهي عضو في هيئة الأمم المتحدة بجانب الدول الكبرى التي تتحكم في مصائر الأرض . ولكن كل ذلك كان حتى تقوم دولة يهود وسط ال